يشير المؤلف ــ المعلم أنه انتقل خلال عمله التعليمي بين العديد من مدارس المنطقة الباريسية. تلك الواقعة منها في الأحياء الغنية التي تستقبل بالتالي أبناء الأغنياء، وتلك التي تتواجد في الأحياء الفقيرة بشمال باريس أو في الضواحي القريبة من العاصمة حيث تتواجد نسبة عالية، أغلبية، من «أبناء الهجرة».
وفي جميع الحالات يؤكد المؤلف-المعلم على حدوث تطور كبير في مواقف الأهل الذين أصبحوا «يدركون أكثر فأكثر الحقوق» التي يمنحها لهم النظام التربوي الفرنسي، لكنهم أصبحوا بالمقابل «يتصرفون أكثر فأكثر من موقعهم في المجتمع كمستهلكين». وهذا ما يعبّر عنه بالقول: «لقد أصبح الأهل يميلون أكثر للتفاوض». و«التفاوض» دائما من موقع «الدفاع» عن أبنائهم بصيغة يلخّص مضمونها بقولهم: «إن أفضل طريقة للتعامل مع هذا الطفل العزيز هي عدم إزعاجه».
إن «كلمات الاعتذار» لم تكن تتضمن في أغلب الأحيان أي «اعتذار»، كما يشير المؤلف. بل إن الأهل «يعترضون» في أغلب الأحيان على «العقوبات» التي قد يفرضها المعلمون على أبنائهم، ولا يترددون في تحميل القسط الأكبر من المسؤولية للمعلمين وللسلطات التربوية المسؤولة في المدرسة، وينتقدون المنظومة التعليمية والتربوية ويصفونها بـ«البيروقراطية». لكن الأمر يتعدّى أحيانا هذا كله وصولا إلى «التهديد بالرد الملموس» وفي أحيان كثيرة بـ«جمل فيها الكثير من الأخطاء اللغوية». الملفت للانتباه هو أن «باتريس رومان» يعرض «كلمات اعتذار» الأهالي كما جاءت تماما في نصّها و«كتابتها» الأصلية. أما مواضيع «كلمات الاعتذار» التي يرتكبها الأهالي لمعلّمي أبنائهم فإنها تطال عامة المشاكل التقليدية المتعلّقة بالتأخر عن الدرس أو الغياب أو المشادات والمشاجرات بين التلامذة أو الصعوبات المدرسية. هذا دون نسيان «بند» أساسي يتعلق بـ«الاعتراض» على «النقاط» الممنوحة للأبناء.
ويميّز المؤلف في هذا السياق بين نمطين من «ردود الفعل» لدى الأهالي الذين «لم يتابعوا دراساتهم» ويعبّرون عادة عن «غضبهم» سريعا. ولدى الأهل ذوي المستوى التعليمي العالي الذين يُظهرون في أحيان كثيرة «تعاليهم وازدرائهم» حيال المعلمين. وهؤلاء هم «الأكثر تطلّبا». لكن المؤلف يبدي بكل الحالات موقفا متفهما، بل متعاطفا، مع الأهالي، وحتى في حالة «دفاعهم البائس» عن أبنائهم. يكتب: «إن الأهالي يحبّون أطفالهم فوق كل اعتبار، وهذا ما يمكن استشفافه بوضوح من كلمات اعتذارهم». والتأكيد بالوقت نفسه أنه من القليل جدا أن تحتوي «كتابات» الأهل ما يُراد منه «تشجيع» المعلمين في عملهم.
وتحظى مسألة «عقاب» التلامذة بقدر كبير من «تعليقات» الأهل. ونقرأ مثلا: «عقاب آخر... مرة أخرى... لكن ستيفان قال لي أنه بريء وهذا عمل فيه الكثير من الشراسة التربوية». و«كلمة أخرى» يقول نصّها: «من السهل عليكم التصدّي للصغار، خاصة أنكم موظفون لدى الدولة. ولو كنتم في القطاع الخاص كان الأهل قد طردوكم منذ فترة طويلة». وتقول جملة أخرى: «تفضّلوا بعدم الضغط على ابني كثيرا بسبب نقاطه المتدنية. ألم يكن انشتاين تلميذا رديئا؟ لا أحد إذن يستطيع أن يعرف ماذا يخبئ له المستقبل. شكرا لتفهّمكم». وفي باب التأخر والغياب، يكتب أهل أحد التلامذة لمعلّم ابنتهم «شارلوت»: «أنتم تطلبون مني كلمة اعتذار بسبب تأخر شارلوت الاستثنائي. فليكن، ألا تعتقدون أنه في هذا الوقت الذي ربما يتم فيه التحضير لحرب عالمية ثالثة هناك أشياء أكثر أهمية في الحياة؟ مع الاحترام». وحول «الخلافات» بين التلامذة، تقول إحدى رسائل الأهل: «يؤسفني إعلامكم أنه توجد في الصف الثاني الابتدائي عصابة من التلامذة السيئين الذين لا يتوقفون عن الطلب من ابنتي تقبيلهم. فإذا كانوا مدفوعين بغرائزهم فليس عليهم سوى علاج أنفسهم، فابنتي ليست مرغمة على أن تقول نعم للجميع. هل يمكنكم تسوية هذه المشكلة؟ وشكرا».
ومن «العينات» الظريفة التي يعرضها المؤلف نقرأ: «تقول ملاحظتهم المكتوبة أن ابني قد مارس الغش. بصراحة أقول هل يسبق أن تمّ إلغاء هدف سجّله لاعب كرة قدم متسلل لكن الحكم لم ير ذلك؟ إذن إن لم يكن قد جرى ضبط ابني بالجرم المشهود، فقد تأخّر وقت العقاب، وشكرا مقدّما».
وجاء في «رسالة» أحد الأهل الكرماء: «نتمنى لكم، زوجتي وأنا، عيد ميلاد سعيد وسنة جديدة جيّدة. تجدون مرفقا ورقة مالية متواضعة للاحتفال بالأعياد. ملاحظة: إذا لم نفعل ذلك، لا شك أن وزيركم لن يفعله». وفي «رسالة» أهل »بخلاء«: «هل يمكنكم الاتصال بي على الرقم......... إذ لم تعد لدي وحدات في هاتفي، شكرا».
الكتاب: كلمات اعتذار، الأهل يكتبون للمعلمين
تأليف: براترس رومان
الناشر: بوران ــ باريس ــ
2010 الصفحات: 126 صفحة
القطع: الصغير
Mots d - excuses
Patrice Romain
Bourin - Paris - 2010
p.
