«سارة برنار» هي أحد أشهر ممثلات المسرح الفرنسي في مسيرته التاريخية كلها. والكاتب والناقد الفني الأميركي «روبرت غوتليب» يكرّس كتابه الأخير لسيرة حياتها تحت عنوان «سارة، سيرة حياة سارة برنار».
يبدأ المؤلف بالإشارة إلى أنه قد كُتب الكثير عن سارة برنار. ولكنه يرى أن الأغلبية الساحقة من تلك الكتابات كانت ذا طابع «تبجيلي»، إذ بدا مؤلفوها مأخوذين بالأساطير التي أحاطت بالممثلة المسرحية الشهيرة. من هنا يحدد «غوتليب» مشروعه في كتابة سيرة حياتها بمحاولة «الفصل بين الأسطورة والواقع». وهذا تحديدا بالاعتماد على الوقائع التي عرفتها حياتها، أو على الأقل عبر صياغة مجموعة من «السيناريوهات» على ضوء «براهين تاريخية» أو «معطيات قائمة» بحيث يمكن للقارئ أن يخرج هو نفسه بــ«نتائجه».
ويولي المؤلف أهمية خاصة لرسم الأجواء التي عاش فيها أولئك الذين لعبوا دورا هاما في مسيرة وحياة «سارة برنار». ويضمّ هؤلاء «أفراد من عائلتها والأصدقاء والزملاء والمنافسين والمعجبين والوشاة والهواة»، كما يحدد المؤلف القول. ومن خلال رسم «بعض ملامح» هؤلاء أيضاً يحاول «إبراز» بعض جوانب شخصية سارة برنار.
هكذا يعرف القارئ أن هوية والدها الحقيقي بقيت «مجهولة» ولم تفصح الممثلة أبدا عن أصولها. أما والدتها فقد كانت من أصل ايرلندي وكانت شديدة التعلق بها. كما كانت شديدة التعلق بابنها «موريس» الذي حرصت على تربيته «على الطريقة الارستقراطية» على غرار «أبيه الأمير البلجيكي المزعوم».
ويشير المؤلف إلى خلاف وحيد كبير قام بين الأم والابن حول قضية الضابط الفرنسي «دريفوس» الذي وُجهت له تهمة التعامل مع العدل «الألماني» وانقسمت فرنسا حول قضيته إلى معسكرين بعد الرسالة الشهيرة التي بعثها الكاتب الفرنسي اميل زولا إلى رئيس الجمهورية آنذاك تحت عنوان «إني أتّهم». كان الابن مع إنزال أقصى العقوبات على «دريفوس» وكانت الأم من المطالبين بتبرئته.بكل الحالات توفيت ساره برنار بين ذراعي ابنها الوحيد.
ويؤكد المؤلف أن سارة برنار لا تزال بعد قرن تقريبا من وفاتها ذات حضور كبير في الأذهان. ذلك أنه قد صيغت لها صورة امرأة ذات «شخصية استثنائية» وأنها «شقّت طريقها في الحياة وحصلت منها على ما تريد». ويشرح المؤلف أنه رغم «نقاط الضعف» التي كانت تعاني منها قبل انطلاقها في عالم الشهرة، بكون أنها امرأة ولم تكن من أسرة مشهورة فإنها استطاعت أن تكون صاحبة «المسار الأكثر استقلالا والأكثر بروزا في تاريخ المسرح لتصبح إحدى أولى الممثلات، إن لم تكن الممثلة الأولى، على صعيد الشهرة العالمية». بل تتم الاشارة أنه لم تصل أية ممثلة سينمائية اليوم إلى مصاف الشهرة التي كانت قد وصلت إليها، وهي «مجرّد» ممثلة مسرحيّة. ومع تأكيد المؤلف على المكانة الاستثنائية التي وصلت إليها ساره برنار، فإنه يبيّن كيف أنها عرفت المبالغة في تقديم صورة مثالية لها، مثلما هو الأمر بالنسبة للمشاهير. ذلك أن «النجومية» تمتلك ضمنا نوعا من الحكم أن «النجم» هو إنسان مختلف عن الآخرين، عن الجمهور وبحيث أننا «لا نرى الشخص الحقيقي».
لقد عاشت سارة برنار حياة حافلة بالأحداث وبالرجال الذين عبروا في حياتها. وينقل عنها المؤلف أنها كتبت في رسالة لها تعود إلى عام 1874 وجهتها إلى أحد أولئك الرجال: «إن قلبي يتطلّب من الانفعال أكثر مما يمكن لأي كان أن يعطيه». لم تنجب أبدا سوى طفلا واحدا هو «موريس برنار» الذي أصبح كاتبا، وكان ثمرة علاقة عاشتها مع «أحد النبلاء البلجيكيين». ولم تتزوج سوى مرة واحدة في حياتها من ممثل مغمور يوناني الأصل ولفترة قصيرة. «كان الخطأ الأكبر في حياتها»، كما يقول المؤلف. إن المؤلف يعتبر «سارة برنار» بمثابة المرأة الأولى التي غدا اسمها «مرادفا» للعمل المسرحي الحديث. وأنها لم تكن خريجة معاهد مسرحية ولكنها قامت بعملية تعلّم ذاتي. وقد عرفت كيف تصوغ «أسطورتها» بداية من تصرّفات «دعائية» مثل نعتها لسيّدة محترمة في مسرح «الكوميديا الفرنسية» الشهير أنها «كلبة يائسة». وعدم ترددها في توجيه «صفعة» لها عندما دفعت أختها الصغرى بل ورفضت الاعتذار لها قائلة: «عليك الاعتذار أولا لأختي». ثم استقالت من المسرح، لكنها نالت شهرة كبيرة اعتبارا من اليوم التالي.
كانت لعبتها «محسوبة»، كما يقول المؤلف. وكذلك كان «محسوبا» عدم كشفها عن هوية أبيها وأب طفلها ورفض تحديد مكان وتاريخ ولادتها بدقة. بالمقابل «اختارت» الحرص على عدم إخفاء بعض الأمور، مثل أنه «ابنة غير شرعية». وينقل المؤلف أنها أصرّت ذات مرّة عندما كانت في لندن عام 1880 أن يُكتب على الدعوة لحفلة استقبال «الآنسة ساره برنار، وابنها».
تنقّلت «سارة برنار» بين مختلف مسارح باريس الكبرى ولعبت أدوارا عديدة كانت وراء شهرتها من بينها «جان دارك» و«هاملت». وعرفت عن قرب بعض إعلام حقبتها مثل «فكتور هوغو» و«هنري جيمس» و«جورج برناردشو» الذي انقد «أنانيتها» ثم اعترف بعد عشر سنوات أنه فعل ذلك لأنها ذكّرته بــ«عمّته جورجينا». في المحصلة يؤكد المؤلف أنه بمقدار ما كانت ساره برنار «مشعّة في العمل»، ربما كانت «بائسة» في حياتها الخاصة. وينقل المؤلف أن آخر كلماتها قبل وفاتها عام 1923 كانت موجهة للصحافيين الذين كانوا ينتظرون «الحدث». قالت: «لقد عذّبوني طيلة حياتي، وسوف أعذّبهم الآن».
الكتاب: سارة، سيرة حياة سارة برنار
تأليف: روبرت غوتليب
الناشر: جامعة يال ــ
2010 الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسطة
Sarah
Robert Gottlieb
Yale University
Press ــ 2010
p. 256
