يستهل مؤلف الكتاب، عز الدين الخطابي، أبحاثه، بالتأكيد على انه تعود مشكلة العالم العربي والإسلامي إلى أنه اهتم بالتحديث أكثر من اهتمامه بالحداثة. ذلك أن إدخال آخر المخترعات والتقنيات الغربية، لم يؤد سوى إلى «تحديث شكلي» لم يرافقه أي تغيير في موقف العربي والمسلم من الكون والعالم، فالاستهلاك الكبير للتقنية عندنا لم يقترن باستهلاك وإعادة إنتاج النموذج العقلاني في التفكير والحياة. وفي هذا الإطار يستعين المؤلف بتميز آراء كل من: هشام شرابي، محمد أركون، عبد الله العروي، جورج بلانديي، هابرماس وهايدجر. بشأن ربط للحداثة والتحديث، لينتهي من وراء تلك التمييزات إلى أن الحداثة والتحديث إذا كان بالإمكان أن يقيما قطيعة مع الثقافة التقليدية في العالم الغربي، وإقامة المجتمع والسياسة والثقافة على أسس جديدة، فإن الحداثة العربية لا يمكن لها أن تقيم مثل هذه القطيعة. ولذلك يقترح المؤلف أن تقوم الحداثة والتحديث في العالم العربي والإسلامي «بإعادة تأويل الثقافة التقليدية» في اتجاه تحويلها إلى ثقافة حديثة، دون حدوث تصدعات وقطائع بين بنية التحديث وبنية التقليد. فالمجتمعات العربية «مجتمعات إشكالية» تتأرجح بين التقليد والحداثة، بين التصدع والتعايش، الأمر الذي يبرر إعطاءها وضعاً خاصاً ومتميزاً عن جيرانها الأوروبيين.
وتتطلب عملية المقارنة الدينامية من المؤلف، القيام بنقد «الصورة النمطية» للمجتمع التقليدي، القائمة على أنه مجتمع الرأي الواحد والهيمنة المطلقة والتعلق المقدس بالماضي، والكشف عن تناقضات هذا المجتمع. وما يختلج فيه من احتجاجات وتوترات، والتي يمكن الاستفادة منها كعوامل تساعد على تحول وتغيير المجتمع. فاستنبات الحداثة في واقعنا وثقافتنا عملية معقدة ومركبة في آن واحد. واليوم لابد من إعطاء الدور الأكبر لوعي تركيب المجتمع العربي أكثر من إدراك خصائص الحداثة. وهذا يعني الالتفات إلى الأسباب التي لم تسمح باستنباتها وليس الوعي بصفات الحداثة وتعريفاتها. أما أهم معوقات «الحداثة العربية» فهي السلطة السياسية ومناهج التعليم ونتائج السيطرة الاجتماعية، ناهيك عن غياب الديمقراطية وعدم فاعلية ثقافة الحوار في مجتمعاتنا. ومن دون مواجهة هذه المعوقات بالبحث والتحليل والكشف عن خلفياتها، لا يمكن للحداثة العربية أن ترى النور. وكمثال على أفكاره التي قدمها، يطرح المؤلف موضوع التربية كمجال لتطبيق رؤاه، لأن للتربية دوراً فعالاً في ترسيخ قيم الديمقراطية والحوار، وتكريس حب المعرفة وطلب العلم، وبتنوع وتفاعل الروافد الثقافية والفكرية لشخصيتنا. ويعتبر المؤلف أن هذا التنوع شرط أساسي للتبادلات الثقافية والفكرية بين أفراد المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلف. ولذلك يقترح أن يخضع ذلك التنوع لقاعدة الحوار والتسامح، وإلا تحول إلى صراع فكري عنيف. وهنا يستعين المؤلف بمفهوم «أخلاقية النقاش» لهابرماس ليحفز على المحاججة والبحث عن الأدلة لإقناع الآخرين. وفي هذا الإطار تبرز الترجمة كوسيلة للحوار بين ثقافتين ولغتين مختلفتين، مع الاحتفاظ بخصوصية كل ثقافة. فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى اكتشاف التشابهات، بقدر ما نحن بحاجة إلى تدبير الاختلافات.
الكتاب: أسئلة الحداثة ورهاناتها في المجتمع والسياسة والتربية
تأليف: عزّالدين الخطابي
الناشر: الدار العربية
للعلوم ناشرون ــ منشورات
الاختلاف / بيروت ــ الجزائر 2009
الصفحات: 222 صفحة
القطع: المتوسط
