يستهل مؤلف الكتاب، قصي عبد الكريم إبراهيم، دراسته بالتأكيد على حقيقة أنه أدركت أميركا ومعها دول العالم الغربي أن النفط سلاح اقتصادي، يفوق في أهميته وتأثيره أضخم الأسلحة العسكرية في الدول المتقدمة، كما أنها أيقنت بعد حرب أكتوبر ‬1973 أن منظمة «أوبك»، ومن ضمنها المجموعة العربية، تمسك بهذا السلاح طالما أنها تسيطر على إنتاج النفط وتسويقه وتسعيره، لذلك دأبت منذ البداية على محاولة الإطاحة بهذه المنظمة أو إضعافها، بغية تقليص دورها في سوق الطاقة العالمية، واستطاعت من خلال حرب الخليج واحتلالها العراق، أن تسيطر على المنطقة برمتها، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وحصلت شركاتها على معظم عقود مشاريع إعادة الإعمار في الكويت والسعودية والعراق.وأمّا بالنسبة لسورية، فعلى الرغم من مساهمة النفط الكبيرة في اقتصادها، وسيطرة تصديره، فإنها تواجه اليوم كثيراً من العقبات، فقد وصل الإنتاج النفطي عام ‬1996 إلى ‬600 ألف برميل، ثم هبط تدريجياً ليصل عام ‬2007 إلى ‬380 ألف برميل، ويتوقع استمرار الهبوط هذا في السنوات القادمة، وإذا ما استمرت سورية في هذا الاتجاه ستصبح مستوردة للنفط خلال العقد القادم، ما لم يتمّ اكتشاف كمية ضخمة من الاحتياطي الجديد.ومنذ بداية الإنتاج عام ‬1968، أصبح النفط المنتج محلياً يمثل الركيزة الأساس للنهوض بمشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة في السبعينيات، وكان معظم الاكتشافات من النفط الثقيل، وابتداء من عام ‬1984 ثم اكتشاف النفط الخفيف في منطقة دير الزور.

ويشير المؤلف إلى ان استهلاك النفط في سوريا يشهد نمواً مستمرا منذ السبعينيات، وإلى ان معدل الاستهلاك في السنوات الأخيرة ازداد بنسب كبيرة لم تعرفها سورية من قبل، نتيجة عوامل عدة، وهي: زيادة الأسطول البري والتدفئة، وزيادة التهريب إلى الدول المجاورة، الزيادة المستمرة في استهلاك بقية المشتقات (مثل الغاز المنزلي والفيول المخصص لمحطات توليد الكهرباء).

إن هبوط الإنتاج وزيادة الاستهلاك، أديا إلى هبوط الصادرات النفطية، وتتلخص المسألة الرئيسية في كيفية تحقيق استقرار نسبي في القطع الأجنبي، وتلبية حاجات الاستهلاك الداخلية، ويمكن العمل هنا على تأمين الإمدادات من خلال العلاقات العربية والإقليمية، كما هو مخطط له.

وأمّا في جانب النفقات، فإن دعم المنتجات النفطية أصبح مشكلة حقيقية للاقتصاد السوري في السنوات الأخيرة، نظراً للكثافة الباهظة لـه. وسيؤدي الاستمرار بالدعم النفطي إلى نتائج كارثية، تبدأ بخزينة الدولة، وتنتهي في جيوب المواطنين. لذلك يجب زيادة الطاقات التكريرية لمصفاتي حمص وبانياس، بشكل فوري، وتسريع إقامة المصافي المزمع إنشاؤها، وصولاً إلى وقف تصدير النفط الخام والعمل على تصديره مكرراً، وزيادة الاستثمار في الصناعات البتروكيماوية، بما يحقق قيماً مضافة حقيقية وكبيرة للقطاع النفطي والصناعة السورية. كذلك فإن الرفع التدريجي لدعم المنتجات النفطية مع تطبيق خطة متكاملة (زيادة في الأجور، إعفاءات ضريبية، تطبيق ضريبة القيمة المضافة...)، امور تعيد توزيعا إجماليا للوفورات المتحققة إلى الأسر الأكثر تضرراً. وكذلك فإن تحسن خدمات التعليم والصحة والبنية التحتية، يمثّل ركيزة هامة للتصحيح المالي الذي يحقق وفورات كبيرة، ويسهم في تصحيح ميزان المدفوعات، ويحقق فائضاً نفطياً أكبر للتصدير، ويخفض عمليات التهريب المتفشية، ويرفع معدلات النمو في الأجل الطويل، وهذا كله يمكّن سورية من مواجهة الانخفاض في الإيرادات النفطية.

 

 

 

 

 

الكتاب: أهمية النفط في الاقتصاد والتجارة العالمية (النفط السوري نموذجاً)

تأليف: قصي عبد الكريم إبراهيم

الناشر: وزارة الثقافة

الهيئة العامة للكتاب دمشق ‬2010

الصفحات ‬280 صفحة

القطع: الكبير