يعالج الكاتب حسن حماد في كتابه « فنون مصر التشكيلية»الحركة الفنية في مصر برؤية جديدة حيث يؤكد أن حركة الفنون التشكيلية في مصر بالمعنى والشكل المتعارف عليه الآن، لم تبدأ إلا مع الحملة الفرنسية عام1798م.
وعلى الرغم من فشل الحملة من تحقيق أهدافها السياسية، ورحيل قواتها بعد ثلاث سنوات ؛ أقام فريق من الفنانين التشكيليين بمصر، ورصدوا في لوحاتهم معالم مصر الحياتية، وآثارها المختلفة.
أفرزت المدرسة المثال «محمود مختار» صاحب «نهضة مصر» والعديد من الأعمال الهامة في تاريخ الفن المصري.. وأيضا الفنان «محمود سعيد» صاحب الشخصية الفنية المميزة، والتي يصعب تصنيف أعماله إلى مدرسة فنية محددة.. ثم ما يعرف بالتيار السريالي، وهو التيار الذي بدأ سياسيا وفنيا معا تحت شعار «الحلم والحب والحرية»، وان لاقى جحودا وإنكارا من المؤرخين والنقاد معا. لعل من أسباب ذلك، هو اعتياد الجمهور للفن التقليدي، وجرأة الفنانين السرياليين في آرائهم وأفكارهم.
وقد شهدت السنوات الأولى من القرن العشرين الماضي، العديد من التيارات التي دعت إلى رفض ممارسة الإبداع الفني، خاصة الأعمال الفنية التشكيلية التي تصور الإنسان والكائنات الحية. من المدهش أن يبرز شيخا مثل المفكر الإسلامي «محمد عبده» ليتصدى لهؤلاء، ويقرر في شجاعة أن الفن ليس حراما، وأنه ضرورة من ضرورات الحياة.. صدرت تحت عنوان «الصور والتماثيل وفوائدها وحكمها».
يقول: «إذا كنت تدرى السبب في حفظ سلفك للشعر ... وبخاصة الشعر الجاهلي.. فان الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع. إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة ومن أحوال الجماعات في المواقع المتعددة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية. يصورون الإنسان أو الحيوان في حال الابتهاج والفرح والرضا والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر في رسوم مختلفة فتجد الغرق ظاهرا باهرا يصورونه مثلا في حالة الجزع والخوف والخشية، ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفرح ومتى يكون الجزع، وما الهيئة التي يكون عليها الشخص في هذه الحال أو تلك، وأما إذا نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر الساكت فانك تجد الحقيقة بارزة لك.. الرسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان، وأغلب ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين»
وقال الأديب «عباس محمود العقاد»: «إن الأمة بغير علم أمة جاهلة، أمة يعوزها أداة العمل.. والأمة بغير تعبير أمة مهزولة، أو مشرفة على الموت، وكذلك تكون الأمم التي خلت من الفنون، لأن الفنون هي تعبير الأمم عن الحياة»
تلك هي بعض آراء المفكرين في بدايات القرن العشرين.. بينما في القرن الواحد والعشرين البعض ما زال يناقش مسألة الفن حرام أم حلال؟ حتى أن بعضهم ربط بين النحت والمعنى القديم للصنم.
ولد محمود مختار عام1891 بإحدى قرى المحلة الكبرى.. وفد إلى القاهرة عام1902م، وعاش حياة الحارة المصرية في الكثير من الأحياء الشعبية. انضم إلى مدرسة الفنون الجميلة، ومع معرض التخرج عرفه الخاصة بمصر، ليسافر بعدها إلى فرنسا لمتابعة دراسة الفنون.. وهو ما تم في عام1912م.
وبقى لسنوات بفرنسا عمل خلالها مديرا لمتحف «جيرفين» بباريس أثناء الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك لم ينس مصر، وعندما سمع بثورة 1919م أعد تمثال نهضة مصر الذي اشتهر به فيما بعد وحتى اليوم.
أما محمود محمود سعيد فقد ولد في عام 1897 بمدينة الإسكندرية.. تو في في عام 1964م. وهو سليل أسرة برجوازية رفيعة، حيث كان أبوه رئيسا للوزراء.
ودرس في أرفع المدارس بالإسكندرية ثم القاهرة، ثم بقى في بيته وتقدم إليه المدرسين لتعليمه المناهج الدراسية المختلفة، كعادة تلك الطبقة في ذلك الوقت. ودرس في بعض المحافل الفنية التي كانت متوفرة بالإسكندرية لكثرة الجاليات الأجنبية بها، إلى أن سافر عام 1920الى فرنسا للدراسة الأكاديمية بها. بقى في فرنسا حتى عام 1925م، عاد بعدها إلى مصر.
وبدأ يدرس القانون كرغبة أبيه، وان لم يترك الفن ورسم اللوحات التي قال عنها النقاد: أنها من الصعب انتمائها وتوصيفها بمدرسة ما من مدارس الفنون المعروفة في تلك الفترة.
الكتاب : فنون مصر التشكيلية. في العصر الحديث رؤية جمالية ونقدية
تأليف : د . حسن حماد
الناشر: سلسلة «الفنون» هيئة قصور الثقافة
القاهرة 2009
الصفحات:120 صفحة
القطع : المتوسط
