يبدأ مؤلف الكتاب، الدكتور عبد الأمير الأعسم، أبحاثه بجولة واسعة في المصادر التراثية والدراسات الاستشراقية، لينتهي إلى سرد موسع مبرهن يعرفنا فيه على التوحيدي عبر حركة نشر المصادر القديمة التي بدأها منذ القرن الثامن عشر، عدد من المستشرقين والباحثين الغربيين في التراث العربي، ولاسيما المستشرقين: فرديناند فستنلفلد، البارون ديسلان، فلوكل. ويوضح المؤلف أن أول من أشار إلى التوحيدي في العصر الحديث هو فستنلفلد في عام 1882. وتأخر أول كتاب عن التوحيدي بالفرنسية إلى عام 1950، وهو كتاب لإبراهيم الكيلاني. ويبين الأعسم انه يعود الفضل في نشر التوحيدي في الأوساط الثقافية العربية إلى الشدياق الذي نشر بعض أعمال التوحيدي عام 1883، كما كتب محمد كرد علي أول مقالة عن التوحيدي بالعربية عام 1906، وقد انصبت المقالة على التعريف بالتوحيدي وكتاباته.ثم توالت الدراسات والتحقيقات حول كتابات وآراء التوحيدي، وكان لأحمد أمين وأحمد الزين وحسن السندوبي النصيب الأكبر فيها.
ويلفت مؤلف الكتاب انتباهنا إلى أن الدراسات التي تناولت التوحيدي في القرن العشرين، لم تعطه حقه، نظراً لتركيزها على البعد الأدبي من شخصية التوحيدي. فالتوحيدي هو فيلسوف أولاً وأخيراً، ولا يجوز دراسة أدبه ومؤانساته وحواراته ومقابساته، إلا بوصفها نصوصا فلسفية تستخدم الأدب والنثر وأساليب لغوية للتعبير عن ذاتها. وأما كتاب المقابسات فيقدم فيه التوحيدي تاريخاً وتوثيقاً للأفكار الفلسفية الثقافية والأدبية التي كانت منتشرة في الدوائر الثقافية في بغداد، دون أن يعني ذلك أن التوحيدي لم يبث فلسفته وتحليلاته في مطاوي الكتاب. فالتوحيدي هو فيلسوف يعرض فلسفته بطريقة فريدة تمزج بين الأدب والفكر والأسلوب الفني، كما أنه مؤرخ للحركة الفكرية في عصره، وشخصية التوحيدي هي مزج بين هذا وذاك. ويحتوي المقابسات على نقاشات وحوارات حول موضوعات فكرية وفلسفية وكلامية كثيرة. فهو يتوقف عند الحوارات التي تتعلق بالعلاقة بين المنهج والنحو، كما يتوقف عند موضوعات الفلسفة اليونانية ومدى تقبلها في الأوساط الثقافية العربية الإسلامية، ولاسيما المناقشات التي دارت حول الطبيعة وما بعد الطبيعة، والأخلاق والسياسة والعلوم والزهد والتصوف. وعلى الرغم من أن نصوص المقابسات غير منظمة وتفتقد التنسيق والتبويب، إلا أن المؤلف يرصد ثلاثة أساليب لعرض الأفكار، استخدمها التوحيدي في المقابسات. فالتوحيدي يعتمد أولاً على «السماع» وأخذ الأفكار مباشرة من قائلها. والأسلوب الثاني الذي يعتمد عليه فهو المحاورة ولاسيما محاورته مع أستاذه السجستاني وعيسى بن زرعه وزكريا الصيمري وغيرهم. كما يعتمد التوحيدي على النقل من مصادر المفكرين، حيث يعود إلى كتبهم والنقل منها لتوثيقها. ومما يأخذه المؤلف على التوحيدي، نزعته «التلفيقية»، لأن التوحيدي يأخذ من عدد كبير من الفلاسفة بطريقة توفيقية، على الرغم من المتناقضات التي يوافق بينها. فالتوحيدي غير حاسم في مواقفه ولا يتبنى آراء واضحة وصريحة، بل يميل إلى التنقل بين مختلف الأفكار والنظريات، ويؤيد غالبيتها بطريقة لا منهجية. ولذلك نجد أن هناك من يشبهه بإخوان الصفا. فإخوان الصفا.
الكتاب: أبو حيان التوحيدي كتاب المقابسات
تأليف: عبد الأمير الأعسم
الناشر: دار كيوان دمشق 2009
الصفحات: 406 صفحات
القطع: الكبير
