يوضح مؤلف الكتاب، المحامي اللبناني جورج سعد، بداية، أن الفلاسفة دوما يصبون إلى بناء منظومة نظرية، وإلى مثال اجتماعي يعفي البشر من اللجوء إلى التقنيات القانونية. ولكنه يعود ليؤكد أنَّ هذا الموقف ظالم بحق عدد كبير من الفلاسفة الذين يحتل القانون مساحة لايستهان بها في كتاباتهم، مثل: توما الأكويني، كانط، كارل ماركس، هيغل. إذ إن في كتابات هؤلاء ثمَّة فكرة جامعة، هي أنَّ القانون لاينبع وحسب من مطلب عملي وبراغماتي، بل من التناقض الداخلي القائم في الطبيعة الإنسانية بين الضرورات الأخلاقية المرتبطة بالحق والعدل بين البشر، والشروط الواقعية الاجتماعية. وهذا ما يفسِّر اهتمام الفلاسفة المعاصرين بالقانون، مثل بورديوو فوكو وهابرماس. كما أن القانون يحيط بنا من كل جانب دون أن نعي. وأنَّ فلسفة القانون حاضرة دوماً في ذهن المحامي والقاضي وجميع المشتغلين بالقانون.

ثمَّ يعرض المؤلف مثالاً توضيحياً لمفهوم فلسفة القانون، وهو ما يتبين جليا لدى ميشيل تروبير، ففي ألمانيا النازية كانت تعتبر كل التلفظات ضد النظام جرائم يُعاقب عليها القانون، والذين يسمعونها كانوا ملزمين في الإبلاغ عنها للسلطات النازية. وبعد الانتهاء من الحرب وخروج ألمانيا خاسرة تمَّت ملاحقة امرأة وَشَتْ بزوجها الذي أوقفته السلطات وحكمت عليه بالإعدام ونفَّذت فيه العقوبة. والسؤال بهذا الشأن: هل يجب محاكمة هذه المرأة؟ وهنا يقول تروبير: إنَّ الجواب على هذه الأمور مرتبط بتعريف القانون.

ولقد طرحت المحاكم هذه المسألة بهذا الشكل: يمكن أن نعتبر بداية أنَّه أيَّاً كانت أسباب المرأة الواشية والتي لم تكن بالتأكيد مؤيِّدة للنظام ولا يهمُّها احترام القانون، وأيَّاً كان حكمنا الأدبي عليها، فهذه المرأة لم تفعل إلا ما كان يطلب منها القانون فعله، وينبغي إذاً تبرئتها.

ويخلص تروبير إلى ما يفيد بان الحل في مضمون هذه القضية لا يقوم في القانون المرعي الإجراء، بل في الخيارات الفلسفية، وهذا يعني أنَّ الخيار الفلسفي هو المحدِّد. وحتى عندما يكون النص شديد الوضوح فإنَّ الخيار الفلسفي هو الذي يدفع القضاة إلى لَيّ الحل بهذا الاتجاه أو ذاك، ولاسيما أنَّ الإمكانية قائمة في غالبية الحالات لإيجاد ثغرة في القانون، أو عدم وضوح أو إمكانية تفسير. لكن - هنا يسأل سعد: ما هو معيار القانون؟ أو ما هو معيار الشيء القانوني؟ ويرى ان الصعوبة فائقة لأنَّ القانون ليس بعالم مستقل ومعلَّب. بل هو عالم معقَّد مليء بالمعاني والقواعد شبه الآمرة الأخلاقية والدينية والاجتماعية وحتى السياسية. وهذا طبيعي لأنَّ القانون منظِّم اجتماعي وبالتالي وسيط، ويؤكد المؤلف انه لا يجوز المزج بين القانون والعدالة، العدالة فكرة والقانون ثمرتها. فالعدالة قبل القانون وهي متفوِّقة عليه، والعدالة مرتبطة بالأخلاق أما القانون فهو جملة قواعد قانونية ومحاكم وقضاة. فنرى عند أفلاطون أنَّ الروح تقارب العدالة عبر تأملها الذاتي وليس عبر رصد الوقائع الحسية، والتأملات المتعلِّقة بالعدالة لاعلاقة لها بالقانون. أمَّا سقراط فهو يعترض على السفسطائيين وشكوكيتهم لأنَّهم يقولون بعدم منفعة العدالة دون القوَّ، ويحثُّون على ارتكاب الأعمال غير العادلة. عن أرسطو ورغم تكملته للمسار الأفلاطوني فهو يبتعد عنه لأنَّه حاول تعريف القانون خارج إطار الأخلاق وانطلاقاً من ركائز خاصة، ففي «أتيقا إلى نيقوماس» من جمهورية أفلاطون يعرض أرسطو لغاية القانون، ويحاول تأسيس نظرية في القانون،

ولذا يعتبره ميشال فيلاي مؤسِّس فلسفة القانون.

هذا في الفلسفة اليونانية أما في التشريعات الرومانية فيبدو أنَّ شيشرون هو فيلسوف القانون دون منازع في هذه الحقبة. وفي الفلسفة المسيحية، وفي التيار الفلسفي الأوَّل في الفكر المسيحي وعلى رأسه أغسطينوس في القرن الرابع الميلادي، نجد أن القوانين الأرضية لاتهم لأنه لا عدالة دون الانتماء إلى الله. لكنَّه ومع بداية القرن الثاني عشر سنرى كيف أحدث توما الأكويني ثورة فعلية في فلسفة القانون.

وأعطى الفكر الإسلامي الكثير لفلسفة القانون على المستوى الفقهي، ولاسيما على مستوى تقنيات التفسير (القياس، المصالح المرسلة)، فإنه يغيب تماماً من مؤلَّفات فلسفة القانون الغربية، هذا الأساس والدور الإسلامي، حيث لا تتطرَّق هذه المؤلَّفات لا من قريب ولا من بعيد، لعطاءات الإسلام في فلسفة القانون، ويكفي أن نذكر هنا مؤلَّفات ابن رشد والغزالي والشيرازي.

الكتاب: فلسفة القانون دراسة

تأليف: جورج سعد

الناشر: دار النجوى بيروت ‬2010

الصفحات: ‬246 صفحة

القطع: المتوسط