بتاريخ 26 يوليو ـ تموز من عام 1956 أعلن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.وكان ذلك سبب قيام إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بعدوان ثلاثي أشتهر في الغرب بتسمية «حملة السويس». والباحث الفرنسي دونيس لوفيفر، مؤلف عشرات الكتب، يكرّس لها كتابه الأخير تحت عنوان «أسرار حملة السويس، 1956».
ويرى المؤلف أن الرئيس عبد الناصر أعلن تأميم القناة «والغبطة بادية على وجهه»، مع الإشارة إلى أنه كان يريد من ذلك استخدام ريع القناة في بناء السد العالي على النيل. ذلك الإعلان عن تأميم القناة رأى به رئيس الوزراء الفرنسي غي موليه ونظيره البريطاني، انطوني إيدن، تهديدا لمصالحهما من جهة ؛ وأرادا حماية إسرائيل «المهددة آنذاك من قبل العالم العربي كما كانا يعتقدان، من جهة ثانية».
وقبل هذا وذاك كان المقصود، خاصّة من قبل فرنسا، هو الإطاحة بجمال عبد الناصر الذي كان يقدّم آنذاك دعما كبيرا للثوّار الجزائريين الذين كانوا قد بدؤوا منذ عام 1954 حرب تحرير بلادهم من الاستعمار الفرنسي المستمر من ثلاثينات القرن التاسع عشر. وقد كان «دعما سياسيا ونفسيا والأكثر خطورة كان دعما بالسلاح»، كما يكتب المؤلف.
«أسرار حملة السويس» يشرحها المؤلف، كما يراها، على مدى الفصول الثمانية التي يتألف منها الكتاب. وهي تحمل العناوين التالية: «تاريخ قناة» و«زمن الدبلوماسيين والساسة» و«الاستعدادات العسكرية» و«الوضع في فرنسا وبريطانيا» و«زمن المعارك» و«الضغوط الدولية» و«السويس والقنبلة الذريّة» وأخيرا «السر، حتى النهاية».
ومن الأفكار الرئيسية التي يؤكّد المؤلف عليها قوله إن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل كانت تعاني أثناء قيامها بالحملة على السويس من عزلة دولية حقيقية. وتتم إعادة ذلك لسببين رئيسيين. الأول هو أن الاتحاد السوفييتي السابق كان صديقا للرئيس عبد الناصر ويرى به حليفا إستراتيجيا لمصالحه الإقليمية.والسبب الثاني هو أن الولايات المتحدة الأميركية كانت راغبة آنذاك بوضع اللاعبين البريطاني والفرنسي «خارج اللعبة» في منطقة الشرق الأوسط التي تمتلك احتياطيات نفطية هائلة وبالتالي كانت تتطلّع لتهميش دور جميع المنافسين.ويشير دونيس لوفيفر إلى أنه أثناء التحضير العسكري للحملة جرى البحث أيضا في عدّة مشاريع لتعزيز التعاون بين الدولتين وصولا إلى الحديث عن «تحقيق نوع من الوحدة بين فرنسا وبريطانيا» أو«انضمام فرنسا لمجموعة بلدان الكومنولث». ويؤكّد المؤلف أن باريس ولندن أرادتا إشراك إسرائيل في التحضير للحملة منذ البداية وتزامن ذلك مع دعم عسكري فرنسي كبير لإسرائيل عبر تقديم الأسلحة الفرنسية لها وتزويدها بالطائرات المقاتلة.
إن المؤلّف يقوم، اعتمادا على العديد من الوثائق التي لم يتم نشرها حتى الآن ومن بينها الأرشيف الخاص بغي موليه الذي كان بين الأكثر حماسا لتلك الحملة، بتحليل الدور الذي لعبه غي موليه، رئيس الوزراء الفرنسي الاشتراكي خلال الفترة الواقعة بين شهر فبراير ـ شباط 1956وحتى يونيو ـ حزيران عام 1957 في حملة السويس. ويذكر دونيس لوفيفر العديد من «الأسرار» التي من بينها التوقيع على «اتفاق سرّي مع إسرائيل» بتاريخ 24 أكتوبر ـ تشرين أوّل 1956، وهو الاتفاق الذي حمل تسمية «اتفاق سيفر» باسم الضاحية الباريسية التي شهدت توقيعه. وقد تضمّن الخطط الخاصّة بمراحل الهجوم العسكري على مصر. كذلك يشرح المؤلف أنه كان قد جرى الاعتقاد أن نصّ هذا الاتفاق قد «اختفى» في فرنسا، ولكن تمّ العثور عليه قبل عدّة سنوات، ويقدّمه المؤلف كأحد وثائق هذا الكتاب.وسرُّ آخر يقدمه المؤلف في هذا الكتاب ويخص بالتحديد غي موليه. وهو يؤكّد القول: «إن غي موليه هو رجل السياسة الذي قدّم لإسرائيل منذ وصوله إلى السلطة ـ رئاسة الحكومة ـ مساعدات عسكرية سريّة، قبل أن يبعث جنودا فرنسيين لحمايتها وللمشاركة في عمليات الجيش الإسرائيلي. وهو أيضا الذي أعطى القنبلة الذريّة للدولة العبرية كي لا يستطيع خصومها تدميرها في أي يوم».ويؤكّد المؤلف أيضا أن جميع هذه الأمور لم يتم أبدا الإعلان عنها أثناء حرب السويس. وكان لا بدّ من انتظار وفاة غي موليه في شهر يناير ـ كانون الثاني من عام 1977 كي يقدّم بعض الفرنسيين يكتب دونيس لوفيفر:«كانت لديهم رغبة قويّة بذلك منذ فترة طويلة. لكن كان كل شيء محظورا حتى آنذاك ـ 1977ـ حيث قام غي موليه بعملية رقابة صارمة. كان يتوجّب عدم قول شيء وعدم كتابة شيء والمحافظة على سريّة ما هو أساسي المتمثّل في عدم الإفصاح عن مضمون الاتفاق السرّي والتعاون الكامل فيما تمّ الاتفاق عليه في سيفر وحماية انطوني إيدن ـ رئيس الوزراء البريطاني الذي وقّع الاتفاق ـ وقد قبل الإسرائيليون قواعد اللعبة. وقام غي موليه بالسهر على تطبيق تلك القواعد».
الكتاب: أسرار حملة السويس 1956
تأليف: دونيس لوفيفر
الناشر: بيران باريس 2010
الصفحات: 296 صفحة
القطع: المتوسط
Les secrets de l4expedition de Suez
Denis Lefebvre
Perrin - Paris 2010
296p.
