يسود النقاش في الغرب اليوم حول «أزمة الدولة القوية»، أي التي «تمنح وتمنع». وتتفق الآراء على أن هذه الدولة مهددة بالتفكك. وبهذا المعنى يقدم عدد من الباحثين، بإشراف الأستاذين الجامعيين لوران بونيللي وويللي بيلوتييه، كتابا جماعيا تحت عنوان: «الدولة المفككة» ويقول عنوانه الفرعي «تحقيق حول الثورة المضادة الصامتة».
وتطرح مساهمات هذا الكتاب أسئلة من نوع: ماذا يعني هذا «الإصلاح» للدولة؟ وما هي الخطوات التي جرى إنجازها في مسعى هذا الإصلاح منذ حوالي عقدين من الزمن؟ وماذا ستكون نتائجه على المصالح العامة وعلى عموم المواطنين؟.. الخ.
وتتفق التحليلات على القول ان المجتمعات الغربية عامة تعيش أزمة اجتماعية فريدة. هذا مع التأكيد أن كل فئة من فئات المجتمعات المعنية تعيش مثل هذه الأزمة بـ«طريقة متباينة» عن الفئات الأخرى ولكن على خلفية من «القلق العام» الذي يشمل الجميع. مثل هذا القلق يجد تبريره في نوع من «هشاشة فرص العمل» كما يعيشها العاملون والموظفون عامة، وكذلك يعيشها طلبة المدارس الثانوية الذين يستعدون لدخول «سوق العمل».
وجميع هؤلاء يعيشون هذا الإحساس بـ«الهشاشة» كإحدى نتائج «الضعف العام للدولة». ثم إن «تناقض الحماية يعني بصورة آلية زيادة القلق». هذا إلى جانب التأكيد أن «الدولة القوية، المانحة» تعيش أزمة بالفعل وأنه تم الشروع بحركة «إصلاح» منذ سنوات الثمانينات المنصرمة بالنسبة للحالة الفرنسية عموما.
من الملاحظ أن مساهمات هذا الكتاب تتعرض لمواضيع نظرية ولمشاكل «عملية». هكذا يتعرّض الباحث «فرانسوا دونورد» لما يسميه «تجديد اللبرالية» باتجاه ما يسميه «اللبرالية الجديدة» ذات التطلعات العالمية. هذه اللبرالية الجديدة وجدت أصداءً إيجابية في أوروبا عامة بفعل «انحياز وسائل الإعلام وعدد من رجال السياسة» من جهة، وبسبب المنظومة القضائية الأوروبية التي كرّست السوق الأوروبية المشتركة وتقليص مكانة السياسات الاقتصادية من جهة أخرى. وتذهب مساهمة الباحث «انطوان شوارتز» في نفس اتجاه التأكيد على «الانحراف اللبرالي الجديد» في المسار التطوري للاتحاد الأوروبي الذي تميّز بـ«تقليص كبير لمكانة الرقابة العامة، رقابة الدول، على الاقتصاد.
وتبيّن مساهمات هذا الكتاب عامة مختلف مظاهر «تقهقر» دور الدولة، ويؤكد الباحث «آلان غوريغو» على ظهور ما يسميه بـ«نخبة جديدة في الدولة كانت قد ازدهرت مع ازدهار القطاع الخاص».
ويضم هذا الكتاب أربع مساهمات تتحدث جميعها عن آليات محاولات «نقل» التجربة البريطانية إلى فرنسا. هكذا يدرس «لوران بونيللي»، أحد المشرفين على هذا العمل، مسألة «إصلاح» نظام الشرطة الفرنسي باتجاه «ثقافة» تؤكد على أن تقييم عمل الشرطة يتعلق بالنتائج التي تحققها. والسعي بنفس الوقت إلى تقليص عدد رجال الشرطة وتقليص إمكانيات الجهاز. مثل ذلك المنطق كان مطبقا أيضا على صعيد «التسيير الاقتصادي» عامة.
وتؤكد إحدى المساهمات في الكتاب ان ما سمي بـ«الإصلاح الليبرالي» باتجاه تقليص دور الدولة في الاقتصاد، إنما كان على خلفية «إيديولوجية» أكثر مما كان استجابة لحاجة اقتصادية أو «تجديدا حقيقيا». وكان الهم الأكبر وراء ذلك كله هو «تقليص الكلفة المالية». وتحت هذا العنوان العريض: «تقليص النفقات العامة» جرى رفع شعار «إصلاح الدولة».
المساهمات الأخيرة في هذا الكتاب مكرّسة بالتحديد لمظاهر «إصلاح الدولة». ويتم التأكيد أن هناك إحساسا عاما بـ«الاستياء» لما يجري على اعتبار أنه لا يبحث سوى عن «إخفاء» نوع من التوجه القسري نحو تقليص نفقات الدولة.
ومن الظواهر التي يتم التأكيد عليها في هذا السياق أن محاولات الإصلاح «تزامنت» مع تراجع في «أداء» المصالح العامة عامة، بما في ذلك ميدان التربية والتعليم. ظاهرة الاستياء هي التي تجد ترجمتها في عنوان هذا الكتاب في تعبير «الثورة الصامتة» المذكورة في عنوانه الفرعي.
الكتاب: الدولة المفككة، تحقيق حول الثورة الصامتة
تأليف : لوران بونيللي ويلي بوليتييه آخرون
الناشر : لا ديكوفيرت باريس 2010
الصفحات : 323 صفحة
القطع: المتوسط
L'Etat démantelé
Laurent Bonelli, Willy Pelletier et
La Découverte - Paris 2010
323p.
