لم تكتف دراسة الباحثة نهلة فيصل الأحمد في الكتاب، بتناول الدلالة الأولية لهذا المفهوم، بل اتجهت في الفصل الثاني إلى بناء نظرية التفاعل النصي عبر التفكر بكل النتاج الذي وصلها حتى الآن، وحاولت الاستفادة منه في طرح مفاتيح لدراسة التراث العربي، وبث اقتراحات بين زوايا هذه النظرية، وسعت إلى أن تكون مترابطة متكاملة، ولم تأخذ الأمور من منهج تاريخي، بل تعمدت طوال الفصلين الأول والثاني، أن تقوي البحث بمغازلات سيميائية وتفكيكية، ملامسة حقيقة أن التفاعل النصي لاقى اشتباكاً في مناطق تقاطع المصطلحات العربية والغربية، الأمر الذي جعل الدراسة تأخذ على عاتقها فض هذا الاشتباك في فصلها الثالث، فاتجهت الدراسة إلى النقد العربي القديم الذي وسم عملية الإبداع بالسرقة، وسماها تجاوزاً بنظرية السرقات، فساءل واستنطق وفك دلالات محتجبة في النصوص النقدية القديمة التي وقف وراء استمرارها على ما هي عليه، نظام ما، ثم اتجهت الدراسة إلى الأدب المقارن أيضاً فحصرت المصطلحات التي أشاعت تشابهاً بين مفاهيمها ومفهوم التفاعل النصي، وتوصلت إلى نتائج مهمة في المقارنتين.

وخصصت المؤلفة الفصل الرابع، للحديث عن تأسيس جهاز مفاهيمي للتفاعل النصي، يشتغل من خلاله في قراءة النصوص والبحث عن شعريتها. ورأت الدراسة أن التفاعل النصي هو ذاتي وعام.

وأما الذاتي فيحدث بين نصوص الكاتب نفسه، بينما العام ينقسم إلى تفاعل نصي جنسي، أي أن النص يتحاور مع بنات جنسه من النصوص، وتفاعل نصي مع الأنواع الأخرى من غير جنسه.

وتوضح الأحمد أن التفاعل النصي باتجاهه نحو النصوص يتجه نحو خطاباتها، يستنطقها في ما لم يصدر إلى السطح وما أخفت في العمق، فيفككها ويقلب أنساقها وينظر في استواء أنظمتها المظللة أحياناً، ويقف على هنات الخطابات في رسم أيديولوجيات صارمة السطح مفككة الداخل، فالتفاعل النصي مفهوم ينتمي إلى النقد الثقافي أيضاً، إذ ينمي الإيجابي في الخطابات ويعري السلبي ويكشف عن هنات الفكر المستنسخة، ويتساءل عن سبب استمرارها رغم ثبات خطئها وبطلان منفعتها.

وتؤكد الأحمد أن شعرية النص تتولد من تفاعلاته مع النصوص الأخرى، قديمها ومعاصرها، أخذاً ورداً، ولعل أهم ما يميز هذا النص عن ذاك هو قدرة أي منهما على تمثل هذا الحشد الهائل من التراث، ومن الوسائط العصرية، واشتغاله نصاً فاعلاً (متناصاً) في تشكيل النصوص البعدية، مبينة أننا نخطئ التأويل والقراءة إذا فزعنا إلى عوامل خارج النص (المدونة) إذ «لا وجود لشئ خارج النص»، كما يقول دريدا، الأمر الذي يجعل عملنا يتجه إلى داخل النص المدروس وينطلق منه إلى نصوص العالم على اختلاف أجناسها، سعياً وراء الحقيقة والمعرفة، إذ يصبح النص وفق هذه المقولة، شبكة من العلاقات النصية، كما أنه لا يحجب ما وراءه، عاكساً صورة من يقف قبالته، بل يقوم النص اللاحق بتركيب عدد من العناصر غير المتجانسة أصلاً ليجانس بينها عبر التفاعل، تاركاً منافذ صغيرة للقارئ يطل من خلالها، فيمد له خيطاً رقيقاً يساجله به ويناوشه، ويحجب طرفاً من المعنى ويظهر آخر. الأمر الذي يجعلنا نموذج هذه التفاعلات تنضوي في مسميات تنضم نفسها في جهاز مفاهيمي، وهذا الجهاز ينظر إلى النص على أنه نص تخومي يرتكز في جانبه الأكبر على إرث عريق عربي وغربي، ويشمل مبدئياً جميع النصوص التي يشير إليها ويستحضرها، ويستدعيها ويلمح إليها بطرق شتى، صريحة أو خفية، بدءاً من الاستشهاد والتضمين، وانتهاءً بالنص الغائب.

وتوضح المؤلفة أن الشعرية التي نبحث عنها في كل نص، هي الممارسات التي يقوم بها النص مع نصوص أخرى قديمة وآتية، وتتحدد عملياً بعلاقة هذا النص مع النصوص التي توازيه وتذيله، ويومئ إليها وتقطن متنه أو تتوزع في فضائه أو تنقرئ معه في النصوص التي تتجه إليه، فكل نص مهما كان جنسه له أعراضه وزلاته، وله صمته وفراغه، فهو ليس مساحة ملساء يشف عن سطحه نسقاً ينغلق على ذاته، بل يبقى مجالاً مفتوحاً ويشكل مساحة يمكن التسلل من فجواتها للكشف عن مكامن الكلام وعن خديعة الخطاب.

الكتاب: التفاعل النصي .. التناصية النظرية والمنهج

تأليف: نهلة فيصل الأحمد

الناشر : الهيئة العامة لقصور الثقافة

‬2010 الصفحات: ‬328 صفحة

القطع : المتوسط