بعد أن قدم «بول غارد»، الأستاذ في الجامعات الفرنسية والأميركية والسويسرية عددا من الكتب عن بلدان البلقان التي أولاها أبحاثه ودراساته دائما، يكرّس لها أيضا كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «بلاد البلقان، الموروثات ومسارات التطور». وكان المؤلف قد عالج هذا الموضوع سابقا وهو يقوم في هذا العمل بتجديد تحليلاته على ضوء المستجدات.المقولة الأولى التي يبحث المؤلف عن تثبيتها تتمثل في تحديده أن منطقة البلقان، «شبه جزيرة البلقان»، حسب تعبيره، تقع في جنوب-شرق أوروبا، وتبدو مباشرة كأنها مختلفة عن بقية القارة. ثم إنها منطقة مجهولة إلى حد كبير من قبل بقية الأوروبيين الذين ينظرون إليها غالبا بعيون الشك والريبة.
والمقولة الثانية التي يؤكدها المؤلف هي أن لمنطقة البلقان خصوصية كبيرة بالقياس إلى المناطق الأوروبية الأخرى. ومفادها أنه ليس هناك أية دولة من دول البلقان، بما في ذلك البلدان السلافية، تتطابق حدودها مع «حدود» شعوبها. بل بالعكس، يوجد في جميع الدول المعنية أقليات اتنية، أي مجموعات بشرية لا يتطابق انتماؤها القومي مع الدول التابعة لها.
كذلك يحدد مؤلف هذا الكتاب الدور الجوهري الذي ترتب على وجود العثماني في منطقة البلقان على مدى قرون عديدة. ثم الدور الأقرب زمنيا للسيطرة الشيوعية على مدى نصف قرن، وحيث يشكل الموقف من روسيا، ما بعد الشيوعية، أحد المعطيات الأساسية لتحديد السياسات الخارجية لبلدان البلقان.
ومن الأسباب الأخرى لتعميق الخلافات والشروخ بين بلدان منطقة البلقان وداخل كل بلد من بلدانها، هناك ما يسميه المؤلف استيراد مفهوم الأمة من أوروبا خلال القرن التاسع عشر، حيث أسس لقيام الدول- الأمم. لكن لم يكتف البلقانيون باستيراد المفهوم، لكنهم دفعوه إلى حدوده القصوى، أي إلى التطرّف. كذلك بالتوازي مع هذا حاولت القوى الأوروبية الكبرى أولا، ثم الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، توظيف النزاعات المحلية البلقانية لمصالحها الخاصة.
هذه المواضيع كلها وعدد غيرها يناقشها المؤلف في القسمين الرئيسيين اللذين يتألف منهما الكتاب. ويحمل الأول منهما عنوان «الزمان والمكان البلقانيين»، ويدرس المؤلف فيه ثلاثة عوامل رئيسية لها دورها في رسم المسار التطوري لبلدان منطقة البلقان وهي «الأرض» و«البشر» و«التاريخ»، كما جاء في عناوين الفصول الثلاثة التي يتألف منها هذا القسم.
أما القسم الثاني فيحمل عنوان: «الخصوصيات البلقانية». وتتوزع تحليلاته بين ثلاثة فصول أيضا. عنوان الأول منها هو «وزن الماضي» والثاني «الشروخ العقائدية- الدينية». أما الفصل الثالث والأخير منها فيحمل عنوان: «التفكير المستمر بمسألة الأمة».
وعلى مدى هذه الفصول كلها يحاول المؤلف إلقاء الضوء على الأسباب العميقة لحالة التوتر الدائم التي تعيشها منطقة البلقان منذ مدة طويلة. ويرى أن هذه الأسباب تعمل على مستوى عموم القارة، لكنها وجدت بلورتها كلها أيضا في إطار يوغسلافيا السابقة.
ويفتح بول غارد في هذا السياق قوسين لمناقشة حالة كوسوفو. ويرى أنه إذا كانت هذه المنطقة التي تمتعت باستقلالها الذاتي عندما كانت في إطار الدولة الصربية قد أعلنت استقلالها من جانب واحد في شهر فبراير من عام 2008 فإنها لم تجلب بذلك حلا في واقع الأمر للمشاكل المحلية المطروحة.
لكن هذا لا يمنع أيضا واقع أن ذلك الإعلان للاستقلال لم تترتب عليه موجة العنف التي كانت قد حذّرت منها أصوات عديدة. تتم الإشارة هنا أيضا إلى أن محكمة العدل الدولية قد قررت في عام 2010 تثبيت «شرعية» استقلال كوسوفو، هذا بعد أن كانت 69 دولة قد اعترفت بكوسوفو المستقلّة.
وما يؤكده المؤلف هو أن مختلف شعوب البلقان تتطلع إلى الانضمام لمسيرة التوحيد الأوروبي، وهذا ما تصبو إليه حكوماتها، بل ما تحدده في عداد أولوياتها الأساسية.
هذا مع الإشارة أيضا إلى أن مثل هذا «التطلّع» قد خفّت حدته في السنوات الأخيرة بالتوازي مع «تعاظم» شكوك الاتحاد الأوروبي حول نفسه وحول مستقبله اعتبارا من رفض الفرنسيين باستفتاء شعبي عام 2005 التصديق على مشروع «الدستور الأوروبي»، وما سمي «الاتفاقية الدستورية الأوروبية» آنذاك. وتبعهم في ذلك الهولنديون خلال نفس السنة. ثم جاءت «الأزمة المالية العالمية» الراهنة لتسهم في «شحوب» صورة الحلم الأوروبي.
الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب مكرّسة لدراسة الرهانات الجيوستراتيجية التي تسهم في تعميق حالة التوتر في بلدان البلقان منذ عقد التسعينات الماضي. ويشير هنا إلى أن روسيا هي اليوم من أكثر القوى الكبرى «غير الأوروبية» اهتماما بمنطقة البلقان حيث تحاول باستمرار دفع «بيادقها» إلى مقدمة المسرح السياسي البلقاني.
ومقابل روسيا هناك الغرب، أي أميركا وأوروبا، الذي يفعل الشيء نفسه. ويؤكد المؤلف القول إن «تهدئة التوترات» تمرّ عبر انضمام جميع بلدان شبه جزيرة البلقان إلى الاتحاد الأوروبي. والخطوة الأولى هي «التصالح» فيما بينها.
الكتاب: البلقان، الموروثات ومسارات التطور
تأليف: بول غارد
الناشر: فلاماريون باريس 2010
الصفحات: 318 صفحة
القطع : المتوسط
Les Balkans
Paul Garde
Flammarion- Paris- 2010
318p.
