من المعروف عن المؤرخة الأميركية وأستاذة التاريخ المعاصر في جامعة برنستون أنها قد أولت كتاباتها عامة للتاريخ الأميركي من زاوية مساهمة ذوي الأصول الإفريقية «السود» فيه. لكنها اختارت في كتابها الأخير أن تدرس «تاريخ الشعب الأبيض»، كما يقول عنوانه.
من هم أبناء العرق الأبيض؟ ومن أين قدموا؟ هذا ما تحاول مؤلفة هذا الكتاب الإجابة عنه، وهي تدرس مفاهيم «البياض» بمعنى الانتماء العرقي منذ بداياتها في الأدب اليوناني، وكما وردت أيضا في أعمال المفكرين والفلاسفة الذين تبنّوا أطروحات «عنصرية» عبّروا عنها بوضوح في أوساطهم الفكرية وفي عملهم على الصعيد العام. كما تبحث المؤلفة عن هذه المفاهيم في العلوم الاجتماعية وعن الآليات التي أدت إلى تثبيت بعض المعايير «البيضاء» مثل «الجمال الأبيض» الذي استقرّ كمعيار أصبح سائدا ومقبولا كمرجعية تكاد تكون «علمية».
إن المؤلفة التي كرّست اهتمامها لدراسة العلاقات «العنصرية» في أميركا، تناقش في هذا الكتاب الجديد تاريخ «البياض» باعتباره يعبّر عن «فئة اجتماعية» وعن «سلاح مفاهيمي». وبعد تقديم لمحة موجزة عن الطريقة التي صاع فيها القدماء مفاهيم الاختلاف بين الشعوب الأوروبية تركّز المؤلفة اهتمامها على دراسة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
خلال هذين القرنين تضافرت عدة عوامل من أجل تكريس «إيديولوجية تفوّق العرق الأبيض». وقد تمثلت تلك العوامل في «التأكيد الفني على الجمال الأبيض» و«النظريات العنصرية التي طرحها التيار الرومانسي الألماني» و«بعض الأطروحات العلمية التي تؤكد التفوّق على أساس العرق». مثل هذه المقولات وجدت صداها لدى بعض المفكرين الأميركيين الذين أصبح مفهوم «العرق» العنصري أساس فكرهم.
وفي مقدّمة المفكرين الأميركيين تضع المؤلفة «رالف اولرسون»، المولود في بوسطن ببدايات القرن التاسع عشر. وكان قد شارك مع مثقفين أميركيين آخرين بتأسيس مجلة «ذا ديال» التي صدر العدد الأول منها عام 1840. وقد اشتهر عن «اولرسون» أنه طالب بـ «الاستقلال الأدبي للولايات المتحدة، وطالب الأميركيين بضرورة إبداع أسلوبهم في الكتابة المتحررة من الهيمنة الأوروبية».
وكان الوجه الآخر للمطالبة بمثل ذلك الاستقلال عن أوروبا، التأكيد على التفوق «العرقي» للبيض في الولايات المتحدة. كما سادت لديه أفكار بما عرف بـ «النزعة الطهورية» الممزوجة بقدر كبير من الرومانسية. ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في وصف «اولرسون» بأنه «الأب المؤسس لنظرية العرق الأبيض الأميركي».
وتشير المؤلفة إلى أن الدراسات التاريخية قدّمت عدة «تصنيفات» للبيض. بعض هذه التصنيفات أخذت «السلطة» كمعيار، بينما ألحّت أخرى على «السمات الفيزيولوجية». لكن دراسة «البياض» كمفهوم تتطلّب برأيها استقصاء التطور التاريخي منذ اليونان القديمة حتى الحقبة الحاضرة.
نقرأ «بالنسبة لأميركا رأينا استخدام مجاز الأبيض بالنسبة للأجيال المتعاقبة من المهاجرين ابتداء من الايرلنديين قبل الحرب الأهلية والذين ناضلوا من أجل تثبيت موقعهم في أميركا». وتعتبر أن آخر مجموعة نجحت باكتساب صفة «الأبيض» في السياق الأميركي تمثلت في اليهود. هذا مع الإشارة إلى أن ذوي الأصول الآسيوية يشكلون مجموعة هي بـ «طور التحوّل» في مقدمة الأقليات الأخرى.
وتؤكد السيدة بينتر القول إن العرق «هو فكرة وليس أمراً واقعاً»، هذا مع التأكيد على ضرورة تجنّب الازدواجية التقليدية في السياق الأميركي المتمثلة في ثنائية «الأبيض» والأسود». ثم التأكيد أيضا أن مفهوم «أميركا البيضاء» هي فكرة خطيرة، خاصة بسبب ما تمتلكه من «جاذبية». ثم إن «البيض» منذ القديم، وخاصة لدى اليونان والرومان، اشتهروا أنهم «شعب محارب»، لكن بعيدا عن مفهوم «العرق»، إذ كان المهم هو «الجغرافيا» واللغة» و«الثقافة». وجرى في هذا السياق التأكيد على «هويّة البياض».
ويُنقل عن المؤرخ الكبير هيرودوت أنه كان يصف القبائل التي تعيش فيما يتمثل اليوم اوكرانيا وجيورجيا لا يملكون ثقافة كبيرة ولم يكونوا يغتسلون سوى نادرا. ولم يكن السلتيون والغاليون والجرمانيون يشكلون فئات «عرقية» إلا في فترة متأخرة. وتشير المؤلفة إلى كتابات الفيلسوف «تاسيت» الذي اعتبر الجرمانيين، «أجداد الألمان» الحاليين «شعبا متميزا وعرقا نقيا». مثل هذه الكتابات «تبنّاها» لاحقا بعض العلماء، ثم اعتبرتها «النازية» إيديولوجية سياسية.
ولم يكن مصادفة أن يتبنّى بعض المفكرين الأميركيين، وعلى خطاهم بعض رجال السياسة، مقولة انتمائهم إلى أولئك «الساكسون» الأوروبيين. هكذا تحدث «الرسون» نفسه عن «الصفات الموروثة» من العرق الأبيض وفي مقدمتها: «الحس السليم وثبات الشخصية وحكمة الحديثة وسرعة العمل». بل وتحدث عن «استخدام القوة» على اعتبار أن هذه السمة «فضيلة».
وتقدم المؤلفة «توماس جيفرسون» كأميركي آخر كان مأخوذا بـ «أصوله الانكلوسكسونية». ووصل به الأمر إلى اقتراح «إدراج أجداده الساكسون الأبطال في صميم تاريخ الولايات المتحدة». وكان قد اقترح تدريس «اللغة الانكلوسكسونية» في الجامعات الأميركية.
وكانت ترجمة ذلك كله في أميركا هي القول: «أن يكون المرء أميركيا حقيقيا كان يعني غالبا التزامن مع نزعة عنصرية مناهضة للسود وتحديد الأبيض لهويته ضد الأسود». وهذا ما تشرحه المؤلفة بإسهاب في الفصل الأخير من الكتاب.
الكتاب: تاريخ الشعب الأبيض
تأليف: نيل ارفين بينتر
الناشر: نورتون نيويورك 2010
الصفحات: 496 صفحة
القطع : المتوسط
The history of white people
Nell Irvin Painter
W. W. Norton- New York- 2010
496p.
