رومان غاري، اسم شهير في عالم الأدب بفرنسا وعلى الصعيد العالمي. وهو الروائي الوحيد الذي حاز على جائزة «الغونكور»، أكبر جائزة أدبية في فرنسا، مرتين. مرة باسمه الذي عُرف فيه «رومان غاري» ومرة ثانية باسم مستعار هو «ايميل آجار». وكان قد انتحلّ عامّة خمسة أسماء تعامل بكل منها في فترة أو عندما يقتضي الظرف ذلك.
كثيرة هي التوصيفات التي يطلقها مؤلف هذا الكتاب على «بطله» وليس أقلها أنه «كذّاب رائع» و«فاضل بائس» كان عرف كيف «يخاتل» جميع أولئك الذين أرادوا أن يتعرّفوا على هويته الحقيقية. وهذا ما يعيده المؤلف لسبب بسيط هو أن «رومان غاري» لم يكن يشابه نفسه.
ثم يتساءل عن إمكانية التعرف على إنسان جهد طيلة حياته على أن «ينفي الواقع» القائم حوله ويعيش بالمقابل «قدراً استثنائياً» فعل كل شيء كي تبقى معالمه غامضة على الآخرين؟ ما يؤكده المؤلف هو أن سيرة حياة «رومان غاري» تفوق في أحداثها وأسرارها كل الأوصاف التي وضعها في شخوص رواياته.وذلك منذ بدايات حياته وحتى ذلك اليوم الذي دخل فيه إلى أحد متاجر جادة السان جيرمان الشهيرة بباريس ليشتري جلباب نوم أحمر ثم يعود إلى شقته في شارع «لوباك» القريب ويدخل إلى غرفته ثم يستلقي على سريره قبل أن يطلق رصاصة من مسدسه القديم، «الذي احتفظ به منذ زمن الحرب»، اخترقت رأسه. كان ذلك في شهر ديسمبر من عام 1980. كان اختياره للون الأحمر بدافع «دقته» وحرصه على أن يثير كثيراً «رعب» أولئك الذين سيكتشفون جثته في مساء ذلك اليوم.
إن المؤلف يعود للحديث عن «الشخصيات العديدة» التي عاشها «رومان غاري»، اليهودي الروسي المهاجر الذي كان يحرص على التأكيد أنه ليس سوى «نصف يهودي»، مؤكداً بالوقت نفسه أنه لم يعرف أباه أبداً و«مخترعاً» لأمّه مهنة أنها كانت تعمل في عالم المسرح. لقد كان رومان غاري طيّاراً وانخرط في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي وكاتباً ودبلوماسياً. هذه الشخصيات كلها التي عاشها في الحقيقة تجد أصداءها في تلك التي أبدعها في أعماله الروائية وصولاً إلى «اختراعه» لـ«آخر» مثله كان يهدده دائماً بالقتل. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن أعمال رومان غاري، مثل غيره من المبدعين في عالم الأدب، تحاكي سيرة حياته «الغريبة». إنه بمعنى آخر قام بـ«إعادة صياغة أسطورته».
ويحاول «جان ماري كاتوني» كذلك أن يشرح الدلالات التي تختفي وراء كل الحكايات وما ألّفه من «تهويمات» بعيدة عن الواقع عن هويته الحقيقية. ويتساءل من الذي كان يختبئ وراء تلك الأسماء المستعارة الكثيرة التي أصبح الأول منها «غاري» هو اسمه الرسمي؟ وماذا عن التسميات اللاحقة: فوسكيه سينيبالدي ثم شاتان بوغات ثم تونتون ماكوت وأخيراً ايميل آجر؟ ثم لماذا انتحر بينما كان المجد بانتظاره؟
وما يؤكده المؤلف من الصفات الرئيسية التي تمتع بها رومان غاري هو أنه كان متعاطفاً مع الضعفاء كثيراً. وهذا ما بدا من موقفه حيال المرأة؟ حيث كان يأخذ حيالها دائماً موقف الدفاع مع التأكيد على احترام النساء والتعاطف معهن وكأنهن هن اللواتي «تتجسّد فيهن كل جراح الحياة». بل كانت مواقفه الأكثر تعاطفاً هي حيال الأكثر «ضعفاً» بين النساء مثل المومسات والمشرّدات وغيرهن ممن يتعرّضن لإذلال المجتمع لهن. ويعيد المؤلف مثل هذا التعاطف إلى كون أن مصير النساء اللواتي كان غاري قد أبدى تعاطفه غير المحدود حيالهن يشابه كثيراً مصير العديد من «الشخوص» النسائية في رواياته. هكذا يكرّس في كل رواية من رواياته دوراً مركزياً «مختاراً» للمرأة «الضعيفة» و«ضحيّة الظلم». ويقابل ذلك إبراز ما تنمّ عنه سلوكيات الرجال عامّة من عنف.
كذلك تتم إعادة هذا الموقف من المرأة أيضاً إلى الدور الذي لعبته في حياته امرأة يكنّ لها أكبر درجات الحب والتقدير هي أمّه التي كانت قد عبّرت له عن ثقتها به وبموهبته منذ فترة مراهقته ودفعته نحو تحقيق جميع أحلامه.
وقد تحوّل اعترافه بجميل والدته حياله إلى اعترافه بالجميل حيال جميع النساء. وكان «رومان غاري» قد كتب في روايته «وعد الفجر» ما مفاده: «عبر محبّة أمّ ، تقدم لك الحياة وعوداً عند الفجر، لكنها لا تفي بها أبداً». تلك «الوعود» التي تقدّمها الحياة تصطدم فيما بعد بكل أنواع العقبات التي يصفها البشر أمامها.
كان «رومان غاري» قد تزوّج للمرة الأولى من الروائية الانجليزية «ليسلي بلانش» صاحبة رواية «نحو شطآن الحب المتوحشة»، والتي كانت تدعوه دائماً بـ«رومان الصغير الطيّب». كانت قد التقت به وأحبته عندما كان في لندن أثناء الحرب العالمية الثانية. ولم يكن ما يستهويها لديه هو أنه «مقاوم ديغولي» ضد الاحتلال النازي، ولكن بالأحرى ذلك «الشاب الخجول» الذي كان يحاول أن يخفي بعض مظاهر القسوة بواقع أنه كان يمتلك «قلب طفل».
الكتاب: رومان غاري
تأليف: جان ماري كاتوني
الناشر: اكت سود - باريس 2010
الصفحات: 293 صفحة
القطع: المتوسط
Romain Gary
Jean-Marie Catonné
Acte Sud -Paris 2010
293p.
