يشير مؤلف الكتاب، الباحث زهير فريد مبارك، إلى الإشكالية التي تطرحها مقاربة المفهوم، وفي الآن ذاته، الإشكالية المنهجية أو الإطار النظري الإجرائي الذي يمكن الاتفاق عليه في دراسته، الأمر الذي يدفعه إلى محاولة الخروج من دائرة المقابلات السائدة من خلال البحث عن معطيات جديدة في التاريخ العربي والنفاد إلى مرحلة التأصيل الفكري للوصول إلى الكشف عن تاريخ الحالات التي ساهمت في تعزيز الظاهرة، بغية حسم الإشكالية القائمة حول وجود استبداد عربي أو لا. ويتوزع البحث على عدد من المحاور التي تناولت مفهوم الاستبداد في اللغة، وعلى المستويين العربي والعالمي وكيفية التشكل التاريخي للاستبداد العربي ونظرية الحكم والإمامة والخلافة، ومن ثم دور النص الديني وتأويله في تعزيز تلك الظاهرة، بالإضافة إلى دور بطانة الحاكم في تعزيز الاستبداد. ويبين المؤلف أن فهم الاستبداد يحتاج قبل كل شيء إلى تحديد الإطار النظري للاستبداد. فيحاول مع هذا الأساس تقديم مقاربة عامة وأولية له من خلال القيام بمقاربة عامة للأسس التي جرى الالتقاء حولها من جهة العموميات، ومن ثم سبر غور أفكار الفلاسفة والمفكرين والتعرف إلى موقفهم من الاستبداد، من أجل مقاربة مفهوم الاستبداد وعلاقته بطبيعة السلطة ومفهوم الاستبداد الشرقي في مجتمع أبوي، وكذلك الاستبداد في كتابات الفلاسفة والمفكرين عالميا وعربيا . وينتقل في الفصل الثاني إلى دراسة الأصول التاريخية للاستبداد العربي فيتناول بداية التأثير الذي مارسه الجوار العربي الإمبراطوري قديما على الدويلات والجماعات العربية قبل الإسلام من حيث كونه المقدمات الأساسية والمنبع الأول للاستبداد العربي، إضافة إلى البحث في علاقات القوة التي تحكم التشكيل السياسي لحكم القبيلة وبنيوية الفرد الاستبدادية وعلاقة الإسلام بالقبيلة التي قامت على ثنائية التطابق والتنافر. ويركز الفصل الثالث على دراسة نظرية الحكم العربي من خلال ثنائية المثالي والسياسي، بدءاً من واقعة سقيفة بني ساعدة التي أسهمت في بلورة أولية لمفهوم الخلافة بوصفها نقطة بداية وأداة وصل وتراكم، لا أداة قطع في سياق نظرية الحكم العربية، حيث يحاول تناول الأساس الذي قامت عليه نافيا وجود مفهوم للدولة الإسلامية إذ يمكن أن نطلقه على الحكم بعدها. وقد تجلى ذلك في الجدل والمنازعات التي حدثت بعد وفاة الرسول بين الأنصار والقرشيين، حول الأحقية في الخلافة، بل وبين بطون قريش والتي انتهت بتثبيت دولة قريش. ويصل المؤلف في نهاية التحليل إلى نتيجة ينفي فيها أن تكون تجربة سقيفة بني ساعدة قد تضمنت استخدام الدين والسياسة فيها معا، بحيث يمكن اعتبار الإسلام دينا سياسيا على أساسها، ذلك أن الرابط القبلي هو الذي انتصر فيها، ما انعكس على تشكيلة البنية الاجتماعية للأمة. وقي ضوء ذلك يرى مبارك أن مرحلة حكم الخليفة عمر بن الخطاب كانت مرحلة تأسيس دولة المسلمين التي اتسمت ببداية تبلور لمفهوم الملكية التي برزت أكثر ايام حكم الخليفة عثمان، ومن بعده معاوية. على الرغم من احتفاظ معاوية بلقب الخلافة ورفضه أن يكون ملكا. وعلى صعيد آخر يتناول مفهوم الإمامة الذي جاء ردا على استبداد الأمويين الذين كرسوا مفهوم ولاية العهد تمهيدا للتوريث الذي ساهم في ترسيخ جذور الاستبداد الذي تعاظم لاسيما في عهد مروان بن عبد الملك، ثم استمر مع الخلفاء العباسيين الذين قضوا على الخلافة الأموية في الشام. وتقوم قراءة الباحث لمفهوم الإمامة عند الشيعة على دراسة تعدد التيارات التي ظهرت عندهم، والأطروحات المتعددة التي قدمها كل تيار حول الإمامة وشروط توليها، حتى شكل هذا المفهوم عند الشيعة، ركنا خامسا بل أصبح من أهم الأركان عند الشيعة الأمامية الذين يفرد لهم بحثا خاصا، يتناول فيه أصل الشيعة والإمامة.
الكتاب: أصول الاستبداد العربي
تأليف: زهير فريد مبارك
الناشر: دار الانتشار العربي بيروت 2010
الصفحات: 300 صفحة
القطع: الكبير
