تبدو فكرة مستقبل الإنسانية وكأنها تنتمي إلى الماضي. وأن حلول المشاكل الراهنة ينبغي البحث عنها في دروس الحكمة القادمة من عمر الزمن. مثل هذه الحركة المزدوجة تشكل موضوع كتاب جان لو امسيل، مدير الدراسات في مجال العلوم الاجتماعية بباريس، الذي يحمل عنوان: «التطور إلى الوراء» والذي يبحث فيها تحديداً ما يسميه «أشكال النزعات البدائية المعاصرة». نقطة الانطلاق في تحليلات المؤلف تتمثل في القول بأن كل حقبة من حقب التاريخ عرفت نوعاً من «الميل نحو صيغ بدائية سابقة». ثم التأكيد أن حالة «القلق الإيديولوجي» الراهنة دفعت مثل ذلك «الميل» إلى الأمام أكثر فأكثر. وليس مصادفة في مثل هذا السياق أن تزدهر إيديولوجيات بعيدة عن الواقع القائم. ويشرح المؤلف أن «النزعات البدائية الحالية» تأخذ صيغاً سياسية أو فنيّة بالدرجة الأولى.

ويحدد المؤلف القول أن العودة الكبيرة في المجتمعات الأوروبية اليوم للحديث عن الثقافات الأصلية للمهاجرين فيها، وذلك في منظور تبرير عدم اندماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها وبالمقابل عدم قدرة هذه المجتمعات على «تمثّلهم». وليس غريباً أيضاً في مثل هذا السياق الحديث عن البعد الثقافي في «مسيرة الاندماج»، حسب التعبير الذي يتردد كثيراً في ألمانيا اليوم.

ويتردد الحديث في الغرب عامة اليوم عن «الهويات» و«القيم الاثنية» وبينما تحاول الدول ورجال الدول استخدام مفاهيم «الأصالة» و«التقاليد» كحجج أو كأدوات للسلطة. ويشير المؤلف هنا إلى إنشاء «متحف الفن الإفريقي» في باريس قبل سنوات قليلة، كما يشير إلى استخدام الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي كتعبير «العبودية» كمرجعية في خطابه الذي ألقاه في العاصمة السنغالية داكار أثناء زيارته لها بعد انتخابه رئيساً للجمهورية الفرنسية.

ومن الأفكار التي يؤكدها مؤلف هذا الكتاب القول إن علاقة الأفراد، ويعني بالتحديد أكثر المهاجرين خارج محيطهم «الثقافي» ثقافاتهم الأصلية، هي في نهاية الأمر مسألة «اختيار». ولكن بكل الحالات لا يمكن «تأطيرهم» في مسائل الهوية وحدها. كذلك يحدد القول أنه، وفيما هو أبعد من قضية الاندماج في المجتمعات الجديدة، تطرح مسائل الثقافة والمجموعة والامتزاج والمحلية والعالمية والكونية.

وينبّه المؤلف بأشكال عدة من خطورة التصنيفات «ذات الطابع البدائي» ووضع الآخرين في «خانات» قديمة تلتصق بهم ويلتصقون بها. يكتب: «مثل هذه الآليات هي دليل على كارثة فكرية حقيقية. ذلك أنه بدلاً من فهم الأمر على أنه نتيجة تفاعلات تعبر الثقافات والحضارات ما قد يسمح بعدم البقاء في أسر مسألة الأصل. ثم إن انكفاء الهوية عل مفهوم الوطن الإفريقي ــ مثلاً ــ يتطلب بالضرورة اللجوء إلى عملية فرز إثني ترمي إلى الفصل بين الطيبين والأشرار، بين من هو أسود ومن هو غير أسود».

الوجه الآخر لمثل هذه المقولات هو اعتبار المجتمع الرأسمالي الغربي كذروة تطور الإنسانية، بما في ذلك «فترة الغزو التي قامت بها الإمبريالية الاستعمارية». وليس فقط اعتبار المجتمعات الرأسمالية الغربية ذروة التطور الإنساني، بل القول أيضاً إنها «الوجهة» التي ينبغي أن تتطلّع إليها «المجتمعات المتخلفة» ومثل هذه الرؤية تشكل، كما يشير المؤلف، الإيديولوجية التي جرت محاولة «إعطاء الشرعية» للاستعمار على أساسها.

كما أن القول بوجود «مجتمع بدائي»، وما يعني بالتحديد أنها تمثل «كيانات مغلقة» مرة واحدة وإلى الأبد. تتم الإشارة في هذا السياق أن بعض الباحثين يعتبرون القرى «كيانات مغلقة» أيضاً، ولكنها «مصغرة».

بكل الحالات يستدعي توصيف «الكيانات المغلقة» عدداً من الشروط التي يحدد المؤلف أهمها بوجود «حالة من العزلة واقتصاد مغلق أو حالة من الاكتفاء الذاتي». وكذلك «درجة من التجانس الثقافي والاجتماعي» و«سيطرة نموذج من العلاقات الاجتماعية تقوم على النسب والجوار والمساعدة المتبادلة».هذا فضلاً عن أنها «كيانات» يقيم أبناؤها «قليلاً من العلاقات مع العالم الخارجي». ويخلص المؤلف إلى القول إن القاسم المشترك بين مختلف «الكيانات المغلقة»، كتعبير ملطف عن «المجتمعات البدائية» هو أنها «كيانات عاشت خارج الزمن ولم يؤثر التاريخ أبداً بمسيرة تطورها». على الصعيد السياسي ينتقد المؤلف اليسار واليسار المتطرف في أوروبا بسبب «عجزه عن التفكير العميق بتاريخية الظاهرة الدينية وتاريخية «ما هو غريب» من جهة، والاستخدام السيئ لمفهوم الكونية، يونيفرسال، من جهة أخرى». ويولي نقده الشديد أيضاً للرؤية السائدة في الغرب التي يصفها أنها: «تلك الإرادة الكامنة في اعتبار الهويات كمفاهيم ثابتة، جامدة، بينما هي متحركة بالتعريف. ذلك أن مثل هذا التحديد يدفع الأقليات في المجتمع نحو ثقافاتها الأصلية المزعومة».

ولا يتردد جان لو امسيل في التأكيد على موقفه الصريح ضد الغرب الذي يتجاهل التاريخ وينصّب نفسه قاضياً مطلقاً حيال مجموع ثقافات العالم». وموقفه الصريح أيضاً ضد الأطروحات التي «تنكر وجود سمات مشتركة لمختلف الثقافات الإنسانية». ثم إن «التشارك بالقيم يعني أيضاً النقاش المستمر لقيمة هذه القيم».

الكتاب: التطور إلى الوراء

تأليف: جان لو امسيل

الناشر: ستوك باريس ‬2010

الصفحات: ‬240 صفحة

القطع: المتوسط

Retrovolutions

Jean Loup Amielle

Stock - Paris 2010

240 p.