ما هو نوع العلاقة بين المفكّر والصحافي؟ وبصورة عامة بين المفكرين ووسائل الإعلام؟ على مثل هذين السؤالين وما يتفرّع عنهما من أسئلة أخرى يقدم عدد من المفكرين الفرنسيين، من بين الأكثر شهرة في المشهد الثقافي الراهن، إجاباتهم ويعرضون آراءهم حول وسائل الإعلام. ولا يترددون في أغلب الأحيان عن إصدار آراء فيها الكثير من «القسوة» حيالها.

هذه الإجابات ضمّها كتاب من جزءين يتألف كل منهما من ‬106 صفحات، وكانت مجلة «ميديا» قد وجّهت لهم الأسئلة حول رأيهم بوسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة المنصرمة، وجاءت الإجابات متنوعة ومتعارضة أحيانا إلى حد التناقض، لكنها مهمّة بالتأكيد بالنسبة لجميع أولئك الذين يريدون معرفة «آليات صناعة المعلومات» و«دورها في المجتمعات الحديثة»، والمقصود بذلك الغربية وآثارها، وأحيانا ما تقدمه من «إساءات».

وإذا كان المساهمون يركّزون على دور «التلفزيون» السلبي فهم لا ينكرون دوره أيضا في نشر أفكارهم وأفكار غيرهم ولا يهملون بالمقابل «المنابر» التي تمثلها الإذاعات والصحف التي تساهم في نشر أفكارهم ومشاركتهم عبر ذلك في النقاشات العامة الدائرة. لكن ما يأخذونه عليها كلها هو ذلك «السيل من المعلومات التي لا يتم التحقق من صحتها دائما» وكذلك «لا يتم وضعها في إطار أي منظور مستقبلي»، وحيث أنها أصبحت تنتشر بـ«سرعة مخيفة» عبر شبكة الانترنت.

وإذا كان المفكرون المساهمون في هذا العمل يتحدثون خاصة عن «مستقبل وسائل الإعلام» فإنهم يشيرون غالبا إلى وجود «علاقات تنازعية» معها. بل يرى بعضهم أنها أعلنت عن «وفاتهم» منذ عقدين من الزمن، واتهمتهم أنهم «يخلطون» بين مقولات الفكر ومعطيات الواقع، ويبدو أن المفكرين المعنيين قد وجدوا في الأسئلة الموجهة إليهم حيال وسائل الإعلام ودورها ومستقبلها فرصة لـ«جلدها» بدورهم.

وبعض النماذج التي تحتويها الآراء المقدمة تمثل دليلاً «بليغاً» على ذلك، الفيلسوف، والأستاذ السابق في السوربون، اندريه كوت سبونفيل يكتب دون تردد: «لا يصبح المرء صحافياً بالصدفة، إن الصحافة تعني بالنسبة لكثيرين موقعاً متراجعاً وفشلاً وتعويضاً، هذا عندما لا تكون ثأراً وحقداً، ويمكن تسمية هذا إخفاقا إذا شئتم ».

لكنه يقول بالمقابل: «شعوري الأول هو أنه من حسن الحظ العيش في فترة تعرف هذا القدر من انتشار المعلومات.

وسائل الإعلام مفيدة، كبيرة القيمة، ولا يمكن الاستغناء عنها». ثم يستدرك مباشرة: «شعوري التالي هو أن نوعية الصحفيين تبدو لي متواضعة». ويفسر ذلك بالقول: «ذلك كون أن الصحافيين مرغمون على الحكم بسرعة. ثم كون أنهم مأخوذون، بصورة لا يمكن تفاديها تقريبا، بالتيار الذي يحملهم».

وعلى سؤال: وسائل الإعلام؟ يجيب فيلسوف آخر هو ميشيل اونفراي: «إنها مثل القطارات ذات السرعة الكبيرة ؟ تي.جي.في- أو مثل الكهرباء. لا يمكن الاستغناء عنها. ذلك أمخا نمط التواصل الراهن». ويكتشف من جهة أخرى الأسباب التي «تجعله موضع شتيمة الصحافة في أغلب الأحيان». ويبدو اونفراي على أنه على وشك «الأسف» حيال عدم إمكانية «حل الخلافات» مع وسائل الإعلام بالطريقة القديمة،أي «المبارزة» بـ«واسطة المسدسات».

أما الفيلسوف والمفكر ريجيس دوبريه فإنه يعترف بعدم قراءته سوى لصحافيتين فرنسيتين هما «لاكروا» و«لوموند ديبلوماتيك». هذا قبل أن يحدد القول انه لا يمكن أن يفعل ذلك أبداً «قبل وجبة الغداء». أما نشرات الأخبار التلفزيونية فإنه لا يرى فيها ما يمكن أن يكون مفيداً في عصر العولمة.

ويعترف المؤرخ «بيير نورا» أنه لم يحدث أن شاهد نشرات الأخبار التلفزيونية دون أن يجتاحه «الإحساس بالخجل». وهو لا يستثني من مثل هذا الحكم القاسي سوى نشرة إخبارية تلفزيونية واحدة تقدمها قناة واحدة هي ليست في عداد القنوات التلفزيونية الفرنسية الرئيسية الست- مساء تحت عنوان «نشرة أخبار العالم».

ويرى الكاتب «مارسيل غوشيه»، رئيس تحرير مجلة «ديبا» أي «النقاش» المعروفة برصانتها، أن هناك دائما نوعا من «التناغم السري» بين وسائل الإعلام وإيديولوجيات حقوق الإنسان، ذلك أنه يتم في الحالتين استخدام «نفس الوقود» الذي يحدده غوشيه بـ«الانفعال»، وهما يقومان في المحصلة بالتقليل من «التعبئة» الفكرية والسياسية لدى الجمهور، لكن الكاتب يرى أن مثل هذا الواقع ليس نهائيا إذ «يمكن أن يطفح الكيل لدى الجمهور ويرفض التصنيفات غير المفهومة».

ويشير الكاتب فيليب سوريل إلى الضغط الذي تتم ممارسته أكثر فأكثر على الصحافيين، ويصف الصحافة أنها أصبحت «مبالغة في ميلها نحو الإعلان»، وهذا المنظور أصبح هو الذي نلمحه، برأيه، بالنسبة للمستقبل.

ويميز الكاتب بين الصحافة المكتوبة والصحافة المرئية بل يرى أنه عندما يتم الانتقال من الأولى إلى الثانية يتم بالوقت نفسه تغيير في «المجال التقني، بل والتغيير تقريبا في الطبيعة، بكل الأحوال هناك تغيير في المستوى»، ويرى أن «البلوغ» عبر الانترنت قد «غدا وسيلة جديدة للنفوذ، للسلطة».

الكتاب: مثقفون يحكمون على وسائل الإعلام

تأليف: ادغار موران، بيير نورا، وآخرون

الناشر: مورديكوس باريس ‬2010

الصفحات: ‬106 صفحات

القطع: الصغير

Des intellectuels jugent les médias

Edgard Morin, Pierre Nora et

Mordicus -Paris 2010

106p.