هناك فارق كبير «بالتعريف» بين عالم الموسيقى و«رهافته» وعالم الجريمة و«قسوته»، لكن هذا لا يمنع واقعاً أن الجريمة لم توفّر عالم الموسيقى، بل هناك العديد من المؤلفين الموسيقيين والعازفين الكبار تعرّضوا للاغتيال، وحامت حولهم الشبهات بالشروع في القتل أو بتدبيره عبر وساطة آخرين.
هذا ما يؤكده الباحث والمؤرخ الأميركي «البرت بورو ويكز» في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «خفايا موسيقية». وهو يبحث فيه «التداخل» بين عالمي الموسيقى وعالم الجريمة منذ «موزات وحتى جون لينون»، كما يقول عنوانه الفرعي.
تتوزع مواد هذا الكتاب من خلال ثلاثة مظاهر أساسية. المظهر الأول يتعلق بـ«المواجهات التي جرت بين الموسيقيين»، ويعالج الثاني المسألة المعقّدة المتعلقة بمعرفة إذا كانت هناك إمكانية لاجتماع «العبقرية» و«نزعة الإجرام» في النفس البشرية ذاتها. أما المظهر الثالث فيتعلق بدراسة «التناقض بين إرهاصات الفنان والمبدع والمأساة العنيفة للحياة اليومية».
إن المؤلف يدرس في إطار هذه المظاهر الثلاثة لـ»الجريمة الموسيقية» مجموعة من الجرائم «الحقيقية» التي امتزج فيها «الدم» بـ«نغمات» الموسيقى. هكذا يتم التعرض لحالة الموسيقي الإيطالي «انطونيو سالييري» الذي كان قد بدأ بتعلّم العزف منذ سن الخامسة عشرة. وكان أستاذه «فلوريان غاسمان» قد اصطحبه معه إلى «فيينا» وفتح له بذلك آفاقا واسعة للمستقبل.
كان «سالييري» شخصية موسيقية مرموقة في زمنه، وصديقا لـ«هايدن» ثم أستاذا لبيتهوفن وشوبير وجياكومو وغيرهم ممن اشتهروا لاحقا. ولكن تلك المكانة الرفيعة التي يسهب مؤلف الكتاب في توصيفها لم تمنع واقع أن شكوكا كبيرة حامت حول «سالييري» بأنه هو الذي دبّر موت «موزارت».
وتتم الإشارة هنا إلى أن المخرج «ميلوس نورمان» قد استخدم تلك الشائعات على أنها حقائق في فيلمه عن سيرة حياة موزارت، أي فيلم «امادووس».
ويشير المؤلف إلى إشاعة سرت بصورة ملحّة مفادها أن «سالييري» كان يريد الاستئثار بعمل موسيقي «روكييم» ألّفه موزارت كي ينسبه إلى نفسه. بل و»حلم» في أن يعزف ذلك الـ«روكييم» عند تأبين موزارت حيث كان أحد الأشخاص القلائل الذين حضروا مراسم دفنه.لكن ذلك لم يمنع توجيه اتهامات صريحة لها كان أحدها من قبل حفيد بيتهوفن الذي قال ان «سالييري قتل موزارت».
ويتم الربط في هذا السياق بين «العبقرية» و»الجريمة» مع رؤية هذه العلاقة على خلفية مشاعر «الغيرة» التي كان «سالييري» يكنّها حيال موزارت. و«سرّ موسيقي» آخر يتعلق بالموسيقي الفرنسي «روبرت كامبير» الذي عاش في القرن السابع عشر في باريس وتوفي في لندن، ويعتبره البعض بمثابة «الأب المؤسس» للاوبرا الفرنسية والذي تحوم الشكوك حول قتله من قبل منافسة على قيادة الاوبرا الموسيقي ذي الأصل الإيطالي جان باتيست لوللي».
وكان هذا الأخير قد فشل خلال الفترة الأخيرة من حياته، في أن يقود جوقة موسيقية للعزف للملك كما يريد، فدفعه طبعه «الناري» إلى ضرب نفسه بـ«عصا المايسترو» الغليظة آنذاك مما أدّى إلى إصابته بجروح في قدمه أعقبها إصابته بمرض«الغرغرينا» التي انتشرت إلى بقيّة أعضاء جسده وصولا إلى الدماغ ثم وفاته بعد عدة أشهر من ذلك.
و«كارلو غيزوالدو» هو مؤلف موسيقي إيطالي من مواليد نابولي عام 1566. كان قد تزوج عام 1585 من «ماريا دافالوس» لكنه «قتلها» بعد أربع سنوات عندما فاجأها مع عشيقها.
ويشير المؤلف إلى شكوك كبيرة حول أن ذلك الموسيقي الشهير لم يكن بعيدا عن موت أحد أبنائه من زوجته الأولى «الخائنة».
إن المؤلف يقدم توصيفا دقيقا لعملية قتل تلك الزوجة وعشيقها كما جاءت في شهادة خادمه «بارتودو». أما الموسيقي نفسه فقد وجدوه عام 1913 «ميتا وعاريا تقريبا» ،حيث تحدثت كلّها يومها عن مقتل موسيقي كبير.
ويكرّس المؤلف الصفحات الأخيرة من كتابه لعملية اغتيال المغني البريطاني الشهير «جون لينون» أحد نجوم فرقة البتلز السابقين، في مدينة نيويورك من قبل «مارك دافيد شامبان». وكانت الجريمة موجهة هذه المرة من خارج عالم الموسيقى ولكنها «استهدفته».
الكتاب: أسرار موسيقية
من موزارت إلى جون لينون
تأليف: البرت بوروويتز
الناشر: جامعة كنت- 2010
الصفحات: 771 صفحة
القطع: المتوسط
Musical mysteries from Mozart to John Lennon
Albert Borowitz
Kent State University Press - 2010
771 pp.
