رحلة في ما بعد الاستعمار
ماذا بقي من فرنسا في إفريقيا بعد نصف قرن من استقلال القارة السوداء؟ وبتحديد أكثر ماذا فعل الأفارقة بإرث الاستعمار الفرنسي في بلدانهم؟ وما هي طبيعة علاقات فرنسا بمستعمراتها السابقة؟ مثل هذه الأسئلة يطرحها الصحفي الفرنسي المختص بالشؤون الإفريقية بكتابه الجديد الذي يحل عنوان: «رحلة فيما بعد الاستعمار».
إن المؤلف يقدّم على مدى صفحات هذا الكتاب الذي يتجاوز عددها الثلاثمائة صفحة «تحقيقا» ميدانيا طويلا قام من أجله بـ«رحلة طويلة» من ساحل العاج إلى غينيا ومرورا بالسنغال ومالي والكاميرون والغابون والكونغو، أي بمختلف المستعمرات الفرنسية السابقة التي نالت استقلالها منذ حوالي 50 سنة. وما يبحث عنه هو ما بقي مما كانت «الدولة الاستعمارية» السابقة، فرنسا، قد حملته معها إلى القارة الإفريقية مثل اللغة الفرنسية ودستور نابليون والخبز الفرنسي وبعض الثقافة.
وما يؤكد عليه المؤلف هو أن فرنسا حاولت بعد سقوط «إمبراطوريتها» أن تقيم على حطامها نوعا من «دولة فرنسا-إفريقيا» بغرض حماية مصالحها. لكن مثل هذه «الدولة» أثبتت أنها لا تسير في اتجاه التاريخ ولا في مصلحة البلدان الإفريقية. لذلك أراد المؤلف أن «يرى ويفهم ويُفاجئ نفسه»، كما يقول عبر معاينة الواقع الإفريقي اليوم وإجراء العديد من المقابلات مع الأفارقة العاديين و«غير العاديين» مثل رؤساء ساحل العاج وغينيا والغابون وغيرهم.
هذا إلى جانب توصيف الحياة اليومية للأفارقة. وفي المحصلة يمتزج التاريخ الإفريقي بالمعنى الواسع للكلمة مع الحكايات «الغريبة أحيانا» التي صادفها المؤلف وهو في الأحياء الفقيرة أو وهو يمتطي درّاجة- سيارة أجرة وسط الغابات.
تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب كان قد لقي الكثير من النقد، بل الاتهام، أنه «يكنّ البغض للأفارقة» عند ظهور كتابه الأول عن «موت إفريقيا». وفي هذا الكتاب «رحلة فيما بعد الاستعمار» يعلن منذ الصفحات الأولى عن «حبّه» العميق للقارة السوداء التي عاش وعمل فيها سنوات طويلة.
وما يؤكده المؤلف أيضا في هذا العمل هو أن إفريقيا، لم تعد تعاني من الموت، ولكنها تعرف حالة من «التقلّصات والتشنج والغليان». هذا إلى جانب معاناتها الحقيقية من واقع صعوبة تأمين سبل الحياة اليومية بسهولة. المثال الواضح على مثل هذا الواقع، الذي تعود جذوره البعيدة في الحقبة الاستعمارية، يكمن في وسائل النقل، أي المشكلة الكبيرة التي يعرفها «هواة» السفر إلى إفريقيا كما يقول.
ويحرص المؤلف في توصيفه للواقع الإفريقي اليوم على الابتعاد عن التعابير الإنشائية والآراء الإيديولوجية كي يرسم ما يراه أمامه ويعكس هذا الواقع. ويروي مثلا أنه أثناء رحلة له بالقطار من مدينة برازافيل بالكونغو إلى الحدود مع الغابون عاش تجربة يعيشها جميع الأفارقة في تنقلاتهم بوسائل النقل العامة.
يكتب: «جلست سيدة ضخمة الجسد مع طفليها إلى جانبي، وكانت تصطحب معها علبة كبيرة من الكرتون المقوّى وحقيبة سفر كبيرة حشرتها تحت المقعد. ولقد تفاهمنا فيما بيننا على أساس التعامل بكل بساطة بحيث أنها قدّمت لي ثمار الموز والبسكويت المجفف بينما توليت الرعاية بطفليها، وهما ابن في الثامنة من العمر جلس، ثم غطّ في النوم، على قدميّ، وآخر رضيع لا يزال باللباس الواقي من البلل، وغير الكتيم للأسف...». وما يشير إليه المؤلف هو أن مسافة السفر البالغة 360 كيلومترا قطعها القطار بـ22 ساعة.
على خلفية مثل هذه الرواية والكثير من نوعها غيرها، يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن «الدولة الفرنسية-الإفريقية قد ماتت. بينما أن المستعمرات السابقة لا تزال على قيد الحياة ويصوغ في مثل هذا السياق نوعا من النداء إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، بضرورة التخلّي عن «لمجموعات الحاكمة التي صنعتها»وتركتها على رأس مستعمراتها السابقة خدمة لمصالحها، وترك تقرير مصير الأفارقة لـ«الشعوب الإفريقية».
ويرى المؤلف أن من مصلحة فرنسا، إذا أرادت أن تحافظ على صورتها لدى الأفارقة، مغادرة القارة «كي تبقى صورتها حيّة في الأذهان». هذا إلى جانب التأكيد أن الذين عانوا من الاستعمار سابقا قاموا بعملية تقييم حقيقية للإرث الاستعماري واحتفظوا بـ«ما وجدوه مفيدا من هذا الإرث». بل وعرفوا كيف يصوغون أحيانا أشياء جميلة منه لكن بلون إفريقي. هكذا مثلا عرف أهل ساحل العاج كيف يبدعون من اللغة الفرنسية لغة محليّة «نوشي» تزدهر وتتطوّر باستمرار.
ويصل ستيفن سميث في تحليلاته إلى القول إن «العالم الفرنسي-الإفريقي الجديد» هو «واقع حي وشعبي» عنيف غالبا لكنه زاخر بالثقة بالنفس. إنه أرض رائدة يُصنع فيها شيء إفريقي جديد من واقع فرنسي قديم.
لكن الحقيقة الأكبر في إفريقيا اليوم هي الازدياد السكاني- الديموغرافي ؟ الكبير بحيث أن تأثير فرنسا ليس أكثر من «نقطة في محيط». تقول الأرقام المقدّمة أن: «3 بالمائة فقط من سكان إفريقيا الفرنسية أو البلجيكية سابقا يتحدثون اللغة الفرنسية عادة، ويضاف إليهم 4 بالمائة ممن يتحدثون بها في المناسبات». إن تاريخا جديدا يبدأ في إفريقيا ولا أحد يعرف المكان والمكانة التي قد تشغلها فرنسا فيه. ويختتم المؤلف بالسؤال التالي: «بعد أجدادنا الغاليون- أبناء بلاد الغال ـ هل نتحدث عن «أحفادنا من البانتو»؟
المؤلف في سطور
ستيفن سميث، صحافي فرنسي، متخصص بالشأن الإفريقي، عمل أولا في صحيفة ليبراسيون، ثم في صحيفة لوموند كرئيس لقسم الأخبار الأجنبية. ويعمل كصحفي مستقل منذ عام 2005. وهو أستاذ في جامعة «ديوك » الأميركية. من مؤلفاته: «في العبودية: لماذا تموت إفريقيا» الذي فاز بعدة جوائز أدبية.
الكتاب: رحلة في ما بعد
الاستعمار
تأليف: ستيفن سميث
الناشر: غراسيه
باريس 2010
الصفحات: 220 صفحة
القطع: المتوسط
Stephen Smith
Gra sset - Paris 2010
220p.
