تنصب دراسة د. خالد فهمي، في الكتاب، على حال وطبيعة الجيش المصري في عهد محمد علي، حيث ينتقد الكتاب، ورغم اعتماده على تصورات ميشال فوكو عن السلطة الحديثة، ينتقد عن طريق دراسة جيش محمد علي، قراءة معينة لتصورات فوكو، وهي القراءة التي تشدد على تماسك وشمول مؤسسات السلطة الحديثة، وتؤكد حتمية الأشكال التي اتخذتها.
ويوضح فهمي أنه كانت أعمال المقاومة الصغيرة اليومية فاعلة في تحدي محاولات السلطة في السيطرة على حياة الجنود وأجسامهم والتلاعب بها، وعلى الرغم من أنها لم تكن عظيمة ولا بطولية، لكنها نجحت في قض مضاجع السلطات العسكرية، بأن بينت لها أن الجنود ليسوا موالين بل بعيدين عن الباشا ومشروعاته العظيمة.
وساعدت دراسة جيش محمد علي على نقد المدرسة القومية المصرية في كتابة تاريخ مصر الحديث. ويذكر المؤلف أن هذا الخطاب القومي يقتفي أثر الكثير من المؤرخين العسكريين الغربيين، ولو عن غير علم، وبما أن جيش الباشا اعتمد على التجنيد لا على المرتزقة، فإنه منح المؤلف فرصة التحقق من افتراضاته. إضافة إلى ذلك اعتبر المؤلف جيش الباشا نموذجًا مصغرًا للمجتمع الذي جلب من أفراده. وبما إن هذا الكتاب معني بتقديم تاريخ اجتماعي لهذا الجيش فإن العلاقة بين الجنود والضباط في جيش محمد علي وتتبع الصراعات والمناوشات التي كانت تدور حول الحدود وتفصل بين الجنود والضباط، تستطيع أن تقدم لنا نموذجًا لكيفية تعامل المصريين مع تلك النخبة التي كانت تتحدث التركية، وتسيطر على الحياة المدنية والعسكرية على السواء.
ويحاول الكتاب جاهدًا أن يتفادى إعادة إنتاج خطاب السلطة أو إعادة إنتاج رؤية محمد علي وضباطه وأعوانه لأنفسهم ولأعمالهم البطولية، فقد توخى الحذر في ترتيب الفصول ذاتها. فالسير وفق تسلسل زمني مثل معظم الدراسات عن جيش الباشا قد يمكن القارئ من تتبع التطور الذي طرأ على هذا الجيش، غير أن هذه الطريقة التقليدية لا تخلو من المخاطر، لأن من شأنها أن توحي بوجود خطة موضوعة أصلاً حكمت بناء هذا الجيش وتطوره في ما بعد. تلك هي الخطة التي انتهجها هذا الكتاب، بغرض حث القارئ باستمرار على تخيل خطاب الجندي الصامت، ومع ذلك يبدأ الكتاب وينتهي بفصلين تقليديين عن جانبين مهمين من جوانب التاريخ السياسي لفترة حكم محمد علي. والمقصود بهما التذكير بأنه على رغم محاولة الفكاك من شباك السلطة فإننا مازلنا واقعين تحت سيطرتها.
يبدأ الفصل الأول في الكتاب، بعرض حملة الشام التي بدأت في عام 1831، وانتهت عام 1840، نظرًا لأنها كانت أهم الحملات التي خاضها جيش محمد علي النظامي، ولا يحاول هذا الفصل أن يربط بين هذه الحملة وغيرها من حملاته، بل يحاول على العكس أن يدلل على أن هذه الحملة تختلف تمامًا عن الحملات الأخرى.
وفي الفصل الثاني، يحاول المؤلف كشف أصول فكرة تأسيس جيش حديث، وتحديدًا تدريب هؤلاء الذين سيصبحون لاحقًا نواة هيئة الضباط، إضافة إلى بداية سياسة التجنيد كما طبقت للمرة الأولى في الصعيد. ويلتقط الفصل الثالث الخيط من حيث توقف الفصل الثاني، ليعرض عملية تدريب المجندين الشبان الجدد، الكارهين للتجنيد في معظم الحالات. ويبدأ بتحليل نظام المراقبة والعزل الذي يقصد به أن يكون حدًّا يفصل الحياة في معسكرات التدريب عن الحياة المدنية خارج المعسكرات، ويهدف إلى المقارنة بين النصوص القانونية العسكرية الجديدة التي وضعت بهدف ضبط المجندين الجدد والقوانين المدنية التي طبقت في الريف، ليبين أنه يمكن النظر إلى الجيش كنموذج يحتذي به في المجتمع ككل، بشكل ما. ويتناول الفصل الرابع المعركة الرئيسية التي خاضها جيش محمد علي ضد الجيش العثماني، وهي معركة قونية عام 1832. ويواصل الفصل الخامس الطريق، فيقدم رؤية للجندي، ليس في ميدان المعركة، إذ من المحتمل أن يكون قد أعد كي يتصرف وفقًا لما جاء في كتيبات التدريب، ولكن في المعسكرات والثكنات حيث يحيا ليستعيد عافيته من آثار المعارك الماضية، أو ليستعد للمعارك الجديدة. ويثير الفصل السادس السؤال المركزي عن الدور الذي لعبه الجيش في بلورة النزعة القومية المصرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. وينهي الفصل السابع الدراسة برواية سيرة محمد علي العملية مركزًا على المواجهة بين محمد علي ووزير خارجية بريطانيا بالمرستون، من المنظور العثماني. وهو بذلك يطرح تحديًا أخيرًا أمام الرواية الوطنية عن الباشا العظيم وعداء بريطانيا له. فعلى النقيض من الرواية الوطنية التي ترى أن بريطانيا العظمى قوضت جهود الباشا وأهدافه، يرى أن سيرة الباشا كانت تتميز بنجاح فائق، فقد قاتل من أجل الحصول على حكم وراثي لنفسه ولأبنائه من بعده، وذلك بالضبط ما نجح في تحقيقه.
المؤلف في سطور
د. خالد فهمي، كاتب وباحث مصري. يعمل أستاذا التاريخ في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية. أنجز العديد من الدراسات والأبحاث المتخصصة في التاريخ السياسي والاجتماعي المصري. لديه عدد كبير من المؤلفات والأبحاث، وتولى مسؤوليات ومهام إدارية ورئاسية كثيرة تعنى بالمجال التأريخي والتوثيقي المصري والعالمي.
الكتاب: كل رجال الباشا..
محمد علي وجيشه
وتأسيس مصر
الحديثة
تاليف: د. خالد فهمي
الناشر: دار الشروق2010
الصفحات: 400 صفحة
القطع: الكبير
