أولت المؤرخة البريطانية جيهان ويك اهتمامها الرئيسي للبحث في «تاريخ المال»، وكرّست أعمالها لعدد ممن نجحوا على هذا الصعيد المالي. وكتابها الأخير لا يشذّ عن هذه القاعدة حيث تتحدث فيه عن «أخوات الثروة»، كما يقول عنوانه.
إن المؤلفة تحاول في هذا الكتاب اقتفاء آثار المسار الذي عرفته الأخوات الأربع ماريان ولويزا وبيس وايميلي كاتون. وهذه الأخوات الأربع هنّ من سلالة الانجليز الأوائل الذين كانوا قد غادروا المملكة المتحدة، بريطانيا، إلى القارّة الأميركية «بعد اكتشافها»، وأقاموا فيها كمستوطنين جدد.
كان الأب «ريشارد كاتون» تاجر قطن كبيرا أقام في فيلادلفيا عام 1785. وكان ذا حسّ تجاري كبير دفعه كي يرى مصلحة أعماله في دعم «الثورة» الأميركية سعيا وراء الاستقلال. وقد دفعه أحد أسفاره إلى ميريلاند حيث التقى بـ«ماري كارول» الجميلة والذكية وابنة «الرجل الأكثر ثراء» في أميركا آنذاك أي «شارل كارول «الذي كان عندها آخر الأحياء ممن وقعوا «وثيقة الاستقلال» الأميركي. ولا تزال توجد في بالتيمور، بميريلاند قلعة تحمل اسمه «قلعة كارول».
لم تكن «ماري كارول» هي ابنة الرجل الأكثر في أميركا فقط، لكنها كانت أيضا ابنته الوحيدة، مما يشير إلى مصدر ثروة ريشارد كاتون الكبيرة. وقد أنجب الزوجان أربع بنات دون أي مولود ذكر. وكان «شارل كارول» قد قدّم لهما هوية عند زواجهما هي ملكية كبيرة في «بروكلاند» بالقرب من بالتيمور حيث أقاما حتى نهاية حياتهما.
وقد سميت الضاحية التي توسّعت حول ملكيتهما بـ«كاتونفيل» ــ مدينة كانتون- بعد وفاتهما. ويقول تاريخ المدينة اليوم إنها قد بنيت من قبل ريشارد كاتون الذي كان قد كلّفه والد زوجته «شارل كارول» بتطوير المنطقة. واعتبارا من سنوات الثلاثينات في القرن التاسع عشر أخذت تسمية «كاتونفيل» الذي تحمله حتى اليوم.
وتشرح مؤلفة هذا الكتاب أن الفتيات الأربع ماري واليزابيت ولويزا وايميلي قد اكتسبن تربية أخذن فيها الكثير من صفات جدّهن لأمهن «شارل كارول». هذا بمعنى أنهن لم يكن يمتلكن قدرا كبيرا من الجمال والثروة فحسب، بل «كنّ يملكن دماغا» دفعهن نحو اكتساب الكثير من المعارف. وبعد أن نلن حظا كبيرا منها عشن فترة طويلة في لندن ذلك أن أمهن ذات الثقافة الواسعة قد دفعتهن أيضا نحو ولوج طرق الثقافة. واكتملت الصورة بوجود الأب «صاحب الشخصية الرائعة». هكذا جمعت الفتيات بين «التربية» والجمال.
وتشرح مؤلفة هذا الكتاب أن تلك الفتيات الأميركيات الأربع تمتعن بقدر أكبر من الحرية قياسا بالفتيات الانجليزيات في عصرهن. وليس أكثر حرية فقط ولكن أيضا أكثر استقلالية. وهكذا تصرفن بطريقة حفظن فيها الثروة الموروثة وليس تبديدها. نقرأ «لم يكن نجاح الأخوات ــ كاتون ــ يعود إلى ما كنّ يملكن من سحر وجمال كبيرين. ولكن من براعة تصرفهن حيال المال، وبالتناقض مع الارستقراطية الانجليزية المولعة آنذاك بالاستدانة قمن باستثمار ثروتهن على أفضل وجه».
إن المؤلفة تؤكد على أن «أخوات الثروة» تصرفن بأموالهن بقدر من البراعة والثقة تتصف بهما القليل من النساء الانكليزيات حتى اليوم. لكنها تؤكد بالمقابل أن القدر شاء حرمان ثلاثة منهن من الأطفال. ذلك أن ماريان (ماري) ولويزا كانتا مصابتين بالعقم، الأمر الذي تعيده المؤلفة إلى علاجهما بـ«الزئبق» أثناء مرض أصابهن في سن الطفولة. واليزابت لم يبق أحد من أطفالها. الأخت الوحيدة التي عاشت مع أطفالها هي ايميلي التي تزوجت من تاجر كندي ثري من أصل سكوتلندي كان يعمل بميدان تجارة «الفراء» اسمه «جون ماك تافيش» وقد عاشت أسرتها في إحدى المزارع العائلية الموروثة.
وكانت الأخوات الثلاث، باستثناء ايميلي التي أقامت باستمرار في بالتيمور، قمن بزيارات متكررة إلى أوروبا ابتداء من اسبانيا ليستقرّ بهن الحال في انجلترا. وفي بلاد أهلهن الأصلية قابلن العديد من الرجال المتميزين في مختلف الميادين ومن مختلف الأوساط. وكانت «لويزا» هي الأميركية الأولى، كما تحدد المؤلفة القول، التي تزوجت من انكليزي هو الابن البكر لدوق ليدز. كان ذلك عام 1828 أي قبل حوالي نصف قرن من زواج «كونسوليا ايزانغا» التي تزوجت الابن البكر لدوق مانشيستر 1876، والتي يعتبرونها عادة أولى «سيدة يانكي» تتزوج انجليزيا. وكانت لويزا قد أصبحت أرملة للمرة الأولى وعمرها 33 سنة.
وتقول المؤلفة بهذا الصدد: «كانت لويزا وأخواتها رائدات الغزو الأميركي للمجتمع اللندني»، بل وتؤكد أنهن حققن نجاحا إلى درجة أنهن «انخرطت» في ذلك المجتمع إلى درجة عدم القدرة عن التمييز بينهن وبين الانجليز. هذا رغم كون أنهن ينتمين إلى أحد أكبر الأسر الأميركية وقد تلقين «تربية كاثوليكية» صارمة. وكانت الأخوات لا يخفين «اعتزازهن» بإرثهن الثوري «جدهن من موقعي وثيقة الاستقلال». ولا تنسى المؤلفة أن تشير إلى كون ثروة العائلة ترتبط بالعبودية.لقد استطاعت الأخوات «كاتون» الولوج إلى أعماق المجتمع الانكليزي رغم أنهن «أميركيات» و«كاثوليكيات»، أي «أجنبيات» ومن «عقدة أجنبية» بالنسبة للارستقراطية الانجليزية آنذاك. وتشير المؤلفة أن الأسر الانجليزية استخدمن تلك الحجتين «أميركيات وكاثوليكيات» للاعتراض على زواج أبنائها من بنات أسرة «كاتون».
كتاب تبيّن مؤلفته نماذج نسائية أميركية من القرن التاسع عشر شكّلن مقدّمة لنمط علاقات بين العالم الجديد والقارّة الأميركية القديمة».
المؤلفة في سطور
جيهان ويك مؤرخة بريطانية ركزت اهتمامها على ما يمكن تسميته بـ«تاريخ المال» في المسار الأميركي منذ الاستقلال وحتى الفترة الراهنة. ومن مؤلفاتها: «الأميرة لويز: الابنة غير التقليدية للملكة فكتوريا» و«كلينوورت وبينسون: تاريخ عائلتين في القطاع المصرفي».
الكتاب: أخوات الثروة
تأليف: جيهان ويك
الناشر: كاتو وويندوس
لندن 2010
الصفحات: 416 صفحة
القطع : المتوسط
Sisters of fortune
Jehanne Wake
Chatto and Windus? London- 2010
416p.
