يكثر الحديث اليوم عن الإرهاب والاضطرابات والجرائم العنصرية وجرائم الدولة، وإلى آخر السلسلة من القاموس السائد. لكن قلّما تعرض الباحثون لهذه المظاهر من العنف بالتحليل العام على أنها أشكال من العنف السياسي. وهذا بالتحديد ما يحاول المساهمون في كتاب «أشكال العنف السياسي» هو نفسه «مفهوم غائم» إلى حد كبير حتى الآن.
إذ متى يبدأ هذا العنف؟ وأين يتوقف؟ وهل تزداد حدّته أم هو في طريقه إلى الزوال؟ مثل هذه الأسئلة هي التي يتم طرحها على ضوء معطيات المرحلة الراهنة من السياق الأوروبي في عصر العولمة. وفي إطار واقع المسار الأوروبي في اتجاه توحيد صوت القارة القديمة.
تتوزع مساهمات هذا الكتاب بين خمسة محاور أساسية تخص «أشكال عنف التطرف الإيديولوجي» و»أشكال العنف القومي» و»أشكال العنف على خلفية الشغب» و»أشكال عنف الدولة» و»تأملات منهجية حول أشكال العنف السياسي». وهذه المحاور تغطي عنف اليسار المتطرف واليمين المتطرف في أوروبا عامة، ودراسة مجموعة من الحالات العيانية للعنف السياسي كما في حالة «الجيش الجمهوري الايرلندي» و»منظمة ايتا في الباسك الإسبانية» و»المجموعات السرية في جزيرة كورسيكا» و»حالات الشغب في كل من فرنسا وبريطانيا» و»العنف السياسي المرافق لتغيير الأنظمة السياسية في آسيا الوسطى والشرقية» و»عنف الحركات الاجتماعية».
وفي إطار تحليل ظاهرة العنف السياسي لليسار المتطرف بعد أحداث شهر مايو-ايار 1968 في فرنسا وايطاليا تركّز الباحثة ايزابيل سومييه على ما تسميه «الهذيان السياسي-القضائي» المرافق لـ»مظاهر انفعال شعبية عميقة» عندما فجّر عناصر من «اليسار المتطرف» السكة الحديدية في بلدة «تارناك» الفرنسية. وتضع الباحثة تلك القضية في نفس المنظور مع ظواهر شبيهة عرفتها إيطاليا في الفترة نفسها. وترى أن من الأهمية محاولة فهم تلك الظواهر أكثر من التركيز على القمع الذي جوبهت به.
والمساهمات الخاصة بما يمكن جمعه تحت خانة «العنف القومي» تؤكد على دراسة حالتين محدودتين هما حالة الباسك، «المنظمّة المعروفة باسم ايتا» في اسبانيا ودعاة الاستقلال في جزيرة كورسيكا بفرنسا. بالنسبة للعنف في الباسك تتم إعادته إلى «حالة حداد» لا تزال قائمة منذ عهد الجنرال فرانكوا الذي كان قد مارس قمعا شديدا ضد المقاومة الباسكية. أما العنف في كورسيكا فيتم ربطه، بالأحرى، بحالة من التنافس قائمة داخل الحركة القومية «الانفصالية» الكورسيكية بشأن المفاوضات مع الدولة المركزية، في باريس.
وتحظى أحداث الشغب التي عرفتها ضواحي المدن الفرنسية الكبرى في خريف عام 2005 ونتج عنها إحراق عشرات آلاف السيارات وعددا من الأبنية العامة، بمساهمة يقدمها لوران موشييلي أحد المشرفين على هذا الكتاب. ومساهمة «موازية» يقدمها الباحث البريطاني «ديفي وادينغتون» عن أحداث الشغب في بلاده. في الحالتين يتم ربط العنف «بظرف اقتصادي سيئ للقائمين بالشغب». ويضاف إلى ذلك سبب آخر لذلك الشغب أيضا يتم تحديده في الحالتين بممارسة نوع من «التمييز الاتني الجغرافي» الذي يستهدف شرائح اجتماعية تعود أصولها للهجرة.
هكذا إذا كان أبناء المهاجرين في فرنسا هم الذين تمرّدوا ضد أشكال القمع البوليسي بالتزامن مع أزمة اقتصادية كبيرة، فإن ذوي الأصول الهندية-الباكستانية كانوا هم هدف أعمال الشغب التي عرفتها بريطانيا عام 2001. وبهذا المعنى يجد هذا الواقع صداه أيضا في أشكال الشغب التي عرفتها كل من فرنسا وبريطانيا منذ سنوات الثمانينات المنصرمة.
ويتم الوصول إلى القول أن الرياضة، يمكن النظر إليها على أنّها «مفتاح معرفة المجتمع»، كما جاء في مساهمة جماعية.
تتمتّع مساهمات هذا الكتاب من جهة بقدر كبير من فهم ظواهر العنف التي تدرسها بلدانها، وتسمح المقارنة بين الحالات الأوروبية برؤية أشمل على مستوى القارة كلها من جهة أخرى. وفيما هو أبعد من هذا وذاك يساعد فهم مسار العنف السياسي على فهم المجتمعات الأوروبية المعاصرة نفسها.
المشرفان على الكتاب
المشرفان الرئيسيان على هذا الكتاب الجماعي هما كزافييه كروتييه أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرساي،الذي من مؤلفاته «المسألة الكورسيكية» و»العنف والنزعات القومية». ولوران موشيللي، عالم اجتماع وباحث في إطار المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والذي أشرف على عدة كتب جماعية، منها: «عندما تحترق الضواحي».
الكتاب: أشكال العنف
السياسي
في أوروبا
تأليف: كزافييه كروتييه،
لوران موشييلي
وآخرون
الناشر: لا ديكوفيرت
باريس 2010
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Les violences politiques en Europe
Xavier Crettiez, Laurent Mucchielli et
La Découverte -Paris- 2010
336p.
