لم تنته بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في عام ‬2008 والتي خصّها الباحثون والدارسون في مختلف أنحاء العالم بكثير من الدراسات والكتب والندوات وشرحوا أسبابها والنتائج التي قد تترتب عليها. لكن الباحث الاقتصادي الفرنسي جاك جينيرو يذهب في كتابه الجديد «التقهقر الكبير» إلى ما هو أبعد من هذه الأزمة كي يؤكّد أنها لم تكن سوى إحدى مظاهر حركة تقهقر عامة تصيب الحضارة الحديثة، وهذا ما يشرحه على مدى صفحات الكتاب.

هذا العمل يوزعه مؤلفه بين خمسة محاور أساسية. يحمل الأول منها عنوان: «شهدتُ موت الوعد بعالم أفضل» ويؤكد فيه أن ما رآه العالم في إطار العولمة القائمة «لم يكن فردوسا»، بل هو التعبير عن «انتصار أفكار خاطئة» كانت وراءها «الثورة المضادة المحافظة الجديدة». ولا يتردد المؤلف في القول إن «الكارثة المعلنة» من خلال الأزمة المالية العالمية يمكن أن تخبئ ما هو أفدح وأعظم.

هذه الأفكار تعبّر عنها الجملة الأولى من الكتاب القائلة: «خلال السنوات العشرين الأولى من حياتي ترعرعت في عالم تسود فيه مقولة أن مصير الأبناء سيكون أفضل من مصير آبائهم. وخلال السنوات الثلاثين التالية رأيت موت الوعد بعالم أفضل وتلاشت شيئا فشيئا القناعة بحتمية التقدّم أمام الزحف الواضح للتقهقر الاجتماعي الذي حان وقت تسميته باسمه من أجل إمكانية مكافحته».

وفي المحور الثاني الذي يحمل عنوان «تحت زبد الأزمات تكمن حركة تراجع عام» يعالج المؤلف واقع الرأسمالية اليوم. إنه يشرح ما يسميه «السلطة الجديدة لرأس المال المعولم» وصولا إلى القول بوجود «حضارة تمشي إلى الوراء». ويرسم من خلال هذا كله آفاق الرأسمالية الراهنة مؤكدا على الأخطار التي تحدّق بالبشر إذا استمر اللبراليون الجدد بالتصرف كــ«العميان» على هواهم.

ويؤكد المؤلف في المحور الثالث على «التقهقر الاقتصادي والبيئي»، كما يقول عنوانه. هنا يشرح المؤلف الطريق الأميركي المسدود في مواجهة الأزمة العالمية وما ترتب عليه من «حالة الفوضى» في ظل سيادة مقولة «الرأسمالية الصافية» التي استخدمها الساسة لخدمة مراميهم. لكن الحالة الراهنة رافقها وترتبت عليها «آثار سيئة جدا بالنسبة للبيئة» أظهر الساسة عجزهم الحقيقي، كما تدل مؤتمراتهم المتكررة، على تقديم حلول شافية لها. و«التقهقر الاقتصادي والبيئي» له وجهه الآخر الذي يتعرّض له المؤلف في المحور الرابع للكتاب ويتمثل في «التقهقر الاجتماعي والأخلاقي والسياسي».

ويؤكد المؤلف أن عالم ما بعد تلك الحرب قام على أساس كبح جموح اقتصاد السوق. وكانت ترجمة ذلك على أرض الواقع هي إحاطة أصحاب القرار السياسي بعالم المال والسهر على تنظيم آلية عمله. هكذا عرفت تلك الفترة تحديد قواعد صارمة لضبط أسعار المواد الأولية ومعدلات الفوائد على القروض، الخ.

أما الإيديولوجية اللبرالية الجديدة الراهنة فإنها تقوم على مقولة أساسية مفادها أن السوق «يحلّ جميع المشاكل» ويكفي لذلك «تركه يعمل بكل حرية». ما يؤكده المؤلف في نتيجة تحليلاته أن ذلك لم يكن في الواقع أكثر من وهم.

«نحو نهضة جديدة»، هذا هو عنوان المحور الخامس والأخير في هذا الكتاب. الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف في هذا الإطار هي قيامه بعملية توصيف حالة الضعف، بل والعجز، التي يعيشها الفكر الحديث المصاب، على حد تعبيره، بــ«مرض الطفولة».

وهل هناك ما يدعو للأمل؟ ما يؤكده المؤلف في معرض الإجابة على مثل هذا السؤال تعبّر عنه الجملة التالية: «رغم مظاهر هذا الكتاب ورغم عنوانه، فهو ليس متشائما. إنه يؤكد على أن سبيل التقدم الإنساني معروف وممكن. ويعلن أننا قد وصلنا إلى المحطات الأخيرة في السبل المسدودة للأزمنة الحديثة (...) وقد حان الوقت الذي سيكون فيه على الإنسانية أن تأخذ، بطريقة أو بأخرى، سبيلا آخر».

الكتاب: التقهقر الكبير

تأليف: جاك جينيرو

الناشر: سويل باريس ‬2010

الصفحات: ‬277 صفحة

القطع: المتوسط

La grande régression

Jacques Seuil

Généreux P-aris2010

277p.