يستهل الباحث العراقي فاضل الربيعي، أبحاث كتابه بتوضيح حقيقة انه شاع في كتب التاريخ والدراسات الإستشراقية، استخدام تسميات عديدة لمدينة القدس، باعتبارها تسميات أطلقت عليها في مراحل تاريخية مختلفة. ويحاول المؤلف دحض تلك التلفيقات من خلال دراسة تاريخية وجغرافية في المتن التوراتي الذي تحدث عن تلك المدينة بهدف تصحيح تلك المغالطات التي جرى توظيفها سياسيا لتبرير احتلال أرض فلسطين، بوصفها أرض الميعاد من قبل الحركة الصهيونية. ويتطرق الكتاب إلى تلك النقاط بكافة تفاصيلها، في مقدمة موسعة، وخمسة فصول وفهرس بأسماء الأماكن والأعلام الواردة في الكتاب. ويلعب العنوان دورا محوريا في تلخيص فكرة الكتاب من خلال صيغة النفي التي تتضمنها بنية العنوان النحوية، ما يكشف عن مضمون الرسالة للعنوان ودوره في توجيه فعل القراءة عند المتلقي. ومنذ البداية تكشف مقدمة الكتاب عن محاور أطروحة الباحث التي يلخصها في جملة من الوقائع تتمثل في أن التوراة لم تذكر اسم فلسطين أو الفلسطينيين، كما لم تذكر اسم القدس وأن حديثها عن «قَدَش ــ قَدَس» بمعنى المدينة العربية القدس، كان يجانب الحقيقة التاريخية والتوصيف الجغرافي. كما أن القدس التي تتحدث عنها التوراة والتي وصلها بنو إسرائيل بعد التيه، ليست أورشليم. إن هذه الوقائع التي يتوصل إليها الباحث من خلال البحث في النص العبري تهدف إلى تصحيح الأفكار والصور الإستشراقية التي سادت علم الآثار، ولذلك يقوم أولا بنقد أسطورة التماثل بين أسماء الأماكن في التوراة وجغرافية فلسطين، اعتمادا على الأدوات التي استخدمها المخيال الغربي الإستشراقي، من خلال القول بأن أرض فلسطين هي الأرض التي وصفتها التوراة، لأن القدس العربية لم تكن في وقت من الأوقات هي أورشليم. ويبين المؤلف أن النص التوراتي يقوم بالتمييز بين المكانين بدقة كبيرة، فأحدهما يدعى قَدَش ــ قَدَس بينما يدعى الثاني بأورشليم، ذلك أن التوراة تتحدث عن ثلاثة أماكن كل منها لا يشبه الآخر. وقد عرفها شعب بني إسرائيل، فقَدَش ــ قَدَس هو جبل بعينه، حيث لا يوجد في أرض فلسطين التاريخية جبل مشابه له، في حين أن الفضاء الجغرافي المشابه والوحيد هو الأرض الممتدة من وادي الرمة حتى جنوب مدينة تعز اليمنية. وتقود قراءة الربيعي للمتن التوراتي إلى نتائج هامة، تتمثل في أن التوراة تميز بدقة كبيرة بين مكانين منفصلين لا صلة بينهما ولا رابط يجمعهما على المستوى الجغرافي أو الثقافي الديني، لأن الأول جبل شامخ جرى تقديسه فسمي بالقدس، في حين أن الثاني هو اسم لمدينة من المدن يظهر في نصوص التوراة. ويعمد الباحث إلى إقامة مقارنة بين النص التوراتي ونص الهمداني لينتقل بعدها إلى توضيح الموقع لجبل قَدَش ــ قدس، كما يقارن بين القدس في التوراة وفي الشعر الجاهلي، ويتبعها بتقديم وصف لمدينة القدس بغية البرهنة على أن وصف التوراة لا ينطبق على الواقع.
وفي فصل تال يبيِّن الباحث أن قدس التوراة ليست هي قدس فلسطين لأن تلك القدس، بالاعتماد على اللغات العربية القديمة التي كانت سائدة في جنوب جزيرة العرب واليمن، تقع جنوب تعز، حيث عاش شعب يدعى بالعبرية فلستيم: في العربية الفلس أو الفلست، ما يستدعي وضع الرواية التوراتية في إطارها الجغرافي، بحيث يكون ذلك مدخلا هاما لحل ألغاز التوراة. كما يكشف عن لائحة أسرى القبائل العربية اليهودية في السبي البابلي، وفي حقيقة بعض الأسماء التوراتية للأماكن وأسماء القبائل. وبعد تلك المقدمات يعمد إلى إعادة بناء أورشليم في موقعها الجغرافي في سراة اليمن، من خلال التدقيق في أسماء القبائل العربية والشخصيات الدينية اليهودية وأسماء الأماكن ووصف مدينة أورشليم والقبائل والجماعات التي شاركت في بناء أسوار أورشليم. وعلى مستوى متصل يبحث في صورة الفلسطيني في التوراة بهدف الكشف عن الصور النمطية التي أنتجها المخيال الغربي ــ الإستشراقي عن الفلسطينيين. كذلك يفند ما يقدمه البحث التاريخي عن التاريخ الروماني في فلسطين والذي يتضمنه سفر المكابيين التوراتي لتأكيد أن الأحداث التي يرويها لم تحدث في فلسطين.
الكتاب: القدس ليست أورشليم مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين
تأليف: فاضل الربيعي
الناشر: دار الريس بيروت 2010
الصفحات : 168 صفحة
القطع : المتوسط
