يعتني مؤلف الكتاب، الدكتور محمد أبو رمان، بالتطرق إلى قضية الإصلاح في الفكر الإسلامي بمختلف جوانبها، من خلال التمهيد لدراسة نماذج مفكرين إسلاميين مبرزين، جسدوا جملة اتجاهات في هذا الصدد، حيث يختار محمد عبده ورشيد رضا من بين جيل الرواد كممثلين لدعاة الإصلاح الديني.
ومالك بن نبي كممثل للشرط الحضاري، وجودت سعيد الذي دعا إلى الإصلاح من القاعدة إلى القمة، وتجربة إسلامية المعرفة التي قال بها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وتجربة الإسلاميين المستنكفين، التي يمثل صلاح الدين الجورشي جانب الإسلاميين التقدميين منها، بينما يمثل إبراهيم غرايبة فكرة الإصلاح الشبكي، القائمة على الاستجابة للشبكية الحاصلة في أيامنا هذه، بفعل عوامل الاقتصاد ومجتمعات المعرفة والمعلوماتية.
ويركز المؤلف في المقاربة السياسية بأبحاثه، على توضيح أنها تتفرع إلى مقاربتين، أولاهما تعطي الأولية للعامل الداخلي، وتركز على الإصلاح من داخل السلطة، وبنياتها المؤسسية والدستورية. أما المقاربة الفرعية الثانية للإصلاح السياسي فتركز على أولوية مواجهة الخطر الخارجي، المتمثل بالاستعمار والتبعية والصهيونية والمخططات الأميركية.
وتنقسم كذلك المقاربة الرئيسية الثالثة، وهي المقاربة الحركية، إلى مقاربتين، أولاهما تتجسد بالأحزاب والحركات الإسلامية التي تعمل في سياق قانوني، أو تتبنى العمل ضمن اللعبة السياسية الرسمية للنظام القائم، وتبرز جماعة الإخوان المسلمين بصفتها ممثلاً لهذه المقاربة في أغلب البلدان العربية التي تسمح باللعبة التعددية السياسية، مثل مصر والأردن.
لذلك يجري إبراز أهم مقومات وملامح الخطاب السياسي لجماعة الأخوان المسلمين في موضوع الإصلاح السياسي لدى كل من حسن البنا وسيد قطب وفتحي يكن ومحمد قطب والحزب الإسلامي العراقي ومثقفي «الإسلامية الوطنية» في مصر، خاصة طارق البشري.
وتبرز في هذا السياق مقاربة حزب التحرير الإسلامي ودعوته إلى العمل السياسي الذي يعيد الخلافة الراشدة، بالاستعانة بمفهوم «طلب النصرة»، إلى جانب حضور «النزعة الانقلابية ــ العسكرية» في فكر الحزب وممارسته. كما أن هناك مقاربة جماعة العدالة والإحسان، الرافضة للمشاركة السياسية بالشروط المتوفرة في المغرب.
وبالرغم من محاولة أبو رمان حصر إطار الدراسة في الفترة الممتدة منذ العقد السادس من القرن العشرين المنصرم، وصولاً إلى أيامنا هذه، إلا أن السياق الدراسي يمتد ليتسع إلى أكثر من قرن ونصف مضى، وذلك بالرجوع إلى بعض رموز النهضة الأوائل، من أمثال محمد عبده ورشيد رضا، الذين تأثروا بتجارب الإصلاح الأوروبية، ونادوا بالإصلاح الديني وبالإصلاح التعليمي والتربوي، معتبرين أن مشكلة المسلمين في زمانهم جسدها التخلف والانحطاط الحضاري.
وأن أساس عملية التمدن يكمن في التقدم على مستوى الفكر والمعرفة إلى جانب الجد في العمل الفكري والديني، لذلك هم أعطوا الأولوية للتربية والتعليم على حساب الإصلاح السياسي، الأمر الذي سيفضي في نهاية المطاف ــ برأيهم ــ إلى تحسن الأوضاع السياسية، والسعي إلى إشادة الحكم الصالح، الذي يمثل مصالحهم وينشد مطامحهم. وقد تحدث محمد عبده.
ومعه آخرون من دعاة الإصلاح الديني، عن «الصفوة المستنيرة»، بوصفها تلك النخبة من المسلمين الذين يمتلكون إدراكا عصريا للإسلام. وبالانتقال من محمد عبده ورشيد رضا إلى مالك بن نبي، يوضح المؤلف أن الإصلاح الديني مع مفكرين آخرين يكون قد أخلى مكانه للمشكل الحضاري.
حيث اعتبر بن نبي أن مشكلة المسلمين لا تقوم في النظام السياسي، إنما المشكلة الحقيقية تكمن في التخلف الحضاري، وعليه حملت جميع كتبه العنوان ذاته، وهو «مشكلة الحضارة»، واعتبر فيها أن السياق الحضاري يفسر بشكل كبير تخلف المسلمين وسبب عدم تقدمهم، وكان يرى بأن مشكلة الإنسان تبدأ من مشكلة الحضارة، التي لا تحل إلا بتغيير الإنسان نفسه. كما تابع جودت سعيد النهج نفسه الذي خطه مالك بن نبي، واعتمد فيه على المقاربة الثقافية والحضارية، لكنه ربطها بسن التغيير والنفس والمجتمع.
معتبراً أن الأمة الراشدة أهم من الخلافة الراشدة، ويسجل ل سعيد إصراره على «النهج السلمي» أو اللا عنف. وأما خير الدين التونسي فقد كان من دعاة المقاربة السياسية للإصلاح السياسي، ومن خلال المؤسسات الدستورية القائمة، ولديه منهجه في الإصلاح والتجديد الحضاري والسياسي، لكنه لا يبتعد كثيراً عن محمد عبده من جهة اعتباره التقدم الحضاري رافعة للتقدم السياسي.
ويلفت أبو رمان إلى أنه تعتبر المقاربة الحركية المقاربة الأكثر جذرية، وجاءت رداً على محاولات العلمنة والتغريب في الواقع العربي المعاصر، مع أنها بدأت بالظهور بعد انهيار الدولة العثمانية، ثم تنامت مع الصراع والاختلاف مع الدولة الوطنية. ومعها باتت القوى المرشحة للإصلاح أو التغيير هي الحركة أو الجماعة الإسلامية، وتختلف لديها طبيعة التنشئة والتربية بحسب طبيعة المقاربة الفرعية، حيث سلك بعض هذه الحركات طريقاً سياسياً، بينما سلك بعضها الآخر طريق العنف المسلح في مواجهة الأنظمة السياسية.
ويخلص المؤلف إلى حقيقة انه يمكن القول ان مسألة الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي من المسائل المعقدة والشائكة، التي مازالت ترمي بثقلها على المفكرين والقوى والحركات السياسية الإسلامية. ويبدو أنها مازالت بحاجة إلى جهد ووقت كبيرين، خاصة وأنها قضية مختلف عليها، وتحمل مقاربات ورؤى وتصورات متعددة ومختلفة، فضلاً عن أن محاولات الإصلاح التي بدأت منذ فترة طويلة، انتهت لدى القوى الجهادية إلى مندرجات الدولة الدينية والوصول إلى السلطة باستخدام العنف والعمل المسلح.
الكتاب: الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي
تأليف: محمد أبو رمان
الناشر: الشبكة العربية
للأبحاث والنشر بيروت 2010
الصفحات: 320 صفحة
القطع: الكبير
