يؤكد مؤلفو الكتاب أن الحركة الإسلامية في السودان هي خليط من الإخوان المسلمين والحركات الصوفية والسلفيين والحركات الدينية التقليدية، وأن وجودها التنظيمي والحركي في السودان يعود للأربعينات كردة فعل على حالة التغريب التي سيطرت على الحياة العامة السودانية، والتي أتت بأحزاب شيوعية إلى الحكم في بلد عربي مسلم، وأنها ظهرت في الجامعات والمساجد ومؤسسات المجتمع، واستمر عناصرها في حالة تفاعل ــ تتراوح بين المعارضة والصدام والمشاركة ــ مع الحكومات السودانية المتعاقبة، حتى قرروا الثورة العسكرية عليها في عام 1989، ونجحوا.وتبين فصول البحث التوثيقي التاريخي في مناهج الكتاب، أن الإسلاميين في السودان لم يسعوا إلى انقلاب عسكري بالضرورة، ولكنهم اضطروا إليه بعد أن أيقنوا ــ خلال تجربتهم السياسية الطويلة - أن أفضل وسيلة لحماية حركتهم هي التوغل داخل مؤسسات الحكم، وعلى رأسها الجيش، ولما أحسوا بقرب الانقلاب عليهم وزجهم في السجون، كما حدث سابقا، قاموا بالثورة وأطاحوا بحكومة الصادق المهدي في 1989 واستولوا على الحكم. والثورة قادها على السطح عسكريون يبرز في مقدمم الرئيس السوداني الحالي عمر البشير، وشيوخ من خلف الستار يقودهم حسن الترابي (القائد التاريخي للحركة الإسلامية السودانية). ولكن حسن الترابي ظل خلف الستار يحرك البشير وأصحابه لفترة، حتى لا يكتشف العالم الطبيعة الإسلامية للثورة، خوفا من الإطاحة بها في مهدها، وحتى يتمكن الإسلاميون من «تمكين أنفسهم» في السلطة ومؤسسات الحكم، والتخلص من المعارضين لهم ومن يمثلون خطرا على قيمهم ودولتهم.
ويتطرق المؤلفون إلى بدايات ظهور مشاكل عديدة تمحورت حول شخصية الترابي وأسلوب إدارته للثورة، مؤكدين أن الترابي أدار الثورة بدون شفافية وجمع خيوط اللعبة المعقدة والمتناقضة في يديه. ولما تعرض لحادث اعتداء في كندا عام 1992 ــ غاب الترابي بسببه عن الساحة السياسية لفترة ــ فظهرت على السطح أسرار عديدة وخيوط متضاربة كثيرة كان الترابي وحده الذي يمسك بأطرافها، ما خلق حالة من التشاحن والصدمة والتضارب والصدام بين أتباعه. ويشدد أحد المفكرين في أبحاث الكتاب، على أن الحركة الإسلامية السودانية كانت تنظر للفكر السياسي كنوع من السفسطة التي لا طائل منها، والتي لن تؤدي إلا إلى الانقسام والفرقة بين أتباعها، ورأت في المقابل أنه من الأفضل لها التركيز على التربية الدينية لكوادرها وعلى التنظيم الحركي لهم. وهنا يقول الكتاب إن الحركة رفضت الفكر السياسي وقمعته، لذا عندما وصلت للسلطة وجدت نفسها في حالة بدائية فكرية سياسية، فالحركة آمنت دوما بأفكار إسلامية عامة مستقاة من النموذج الإسلامي التاريخي (عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين)، وهو عهد بعيد عنا بقرون، كما أن المفاهيم الإسلامية الأصيلة لا تطبق نفسها بنفسها في الوقت الحاضر. لذا وجد الإسلاميون أنفسهم في حالة ارتباك أمام مؤسسات الدولة العديدة التي لم يدرسوها في أدبياتهم البسيطة، وأمام المعاهدات والمؤسسات الدولية المعقدة، وأمام أزمات السودان المتفاقمة.
ويشير الكتاب إلى أن الحركة نجحت في نشر مظاهر التدين في الحياة العامة السودانية، ونجحت في إدارة بعض جوانب الاقتصاد السوداني، وفي حشد السودانيين للقتال ضد تمرد الجنوبيين، ولكنه يبدو أنها فشلت في نواح سياسية أخرى عديدة.فقد فشلت في بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية وفي إرساء التقاليد الديمقراطية بين أبنائها ووسط صفوفها وانتهى بها الحال إلى الانقسام والصدام مع بعضها بعضا، والشعور المؤلم بالفشل. وتوضح محاور بحث الكتاب أن هناك فارقا بين التدين والسياسة، فالمتدين المخلص ليس بالضرورة سياسيا ناجحا أو طبيبا ماهرا أو عالم فضاء نابغا، فمن أراد العمل في السياسة أو الطب أو الهندسة فعليه تعلم السياسة أو الطب أو الهندسة، فالتقوى وحدها لا تكفي. ونظرا لأن الحركة الإسلامية في السودان افتقرت إلى فهم سياسي عميق، فانها تحولت للأسف إلى حركة للاستيلاء على السلطة سعت فور الاستيلاء عليها للتخلص من المعارضين لها بغض النظر عن كفاءتهم وسرعان ما حاربت بعضها بعضا. (أنظر المقال الحادي عشر: الحركة الإسلامية السودانية برجماتية أكثر منها نظرية، حوار مع د. محمد وقيع الله) ويتطرق الكتاب إلى أزمة الهوية التي تمر بها الحركة الإسلامية السودانية في الفترة الحالية، والتي تبدو أزمة كلاسيكية تطل برأسها في الكتابات العربية عن الإسلاميين، مبينا شعور الإسلاميين بالإحباط واليأس والانكفاء على الذات والندم، فهم يشعرون أنهم خانوا مبادئهم، وأنهم لم يعودوا أتقياء ورعين إسلاميين كما كانوا في الماضي، وأنه كان الأفضل لهم البعد عن السياسة والسياسيين والحكم والسلطة الملوثة والتي لا طائل من ورائها.
الكتاب: مراجعات الحركة الإسلامية السودانية: عشرون عاما في السلطة المسيرة التجربة المستقبل
تأليف: مجموعة مؤلفين
إعداد: وليد الطيب
الناشر: مكتبة مدبولي القاهرة 2010
الصفحات: 354 صفحة
القطع: المتوسط
