وتوضح مؤلفة الكتاب، تسعى حورية الخمليشي في كتابها «الشعر المنثور والنثر الشعري»، أن أمين الريحاني هو أول شاعر عربي اهتم بالشعر المنثور كحركة شعرية جديدة في الشعر العربي. وهو ما يدعى عنده بالفرنسية (ًّمَّْ ٌىقْم) وبالإنجليزية (نْمم ًّمَّْم)، أي «الشعر الحر الطليق»، وذلك بفعل إطلاق شكسبير الشعر الإنجليزي من قيود القافية. وإطلاق وولت وايتمان الشعر من قيود العروض، وجعل الريحاني لهذا الشعر الطليق وزناً جديداً مخصوصاً، إذ تأتي القصيدة من أبحر عديدة متنوعة، وبالتالي فقد استقى شعراء المهجر مصطلح الشعر المنثور من أصله الإنجليزي والفرنسي، واستخدموه في مقابل ما يسمى في الأدب الإنجليزي بــ«ُِمُّم؟ ىَ َُِّْم» وكذلك في مقابل الشعر الحر «نْمم ًّمَّْم» بالمفهوم الأميركي. وطرح ذلك الاستخدام إشكالية تسمية الجنس الأدبي، ومشكلة ترجمة المصطلح في اللغة العربية، من جهة أن ترجمة المصطلح هي عملية نقل للمعرفة، وليس نقلاً للمصطلح في حد ذاته، وتوظيفه في سياق ثقافة جديدة تملك أبعاداً دلالية وإيديولوجية في لغاتها الأصلية، حيث تكمن الصعوبة في تجريدها من هذه الدلالات وإخضاعها لدلالات جديدة في سياق الواقع اللغوي في الثقافة العربية والمجال التداولي العربي. وقد عرّف أمين الريحاني الشعر المنثور بالقول: «هو آخر ما توصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخص عند الأميركيين أو الانجليز، فملتون وشكسبير أطلقا الشعر الانجليزي من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية والأبحرة العرفية. على أن لهذا الشعر المطلق وزناً جديداً مخصوصاً، وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة. ووالت ويتمان هو مخترع هز الطريقة وحامل لوائها، وقد انضم تحت لوائه بعد موته، كثير من شعراء أوروبا العصريين المتخلقين بأخلاقه الديمقراطية، المتشيعين لفلسفته الأميركية».

وتؤكد المؤلفة انه، وبلا شك، كان الريحاني ورصفاؤه، منشغلين بفكرة النهوض، وهم يعيشون في أميركا، فرأوا في العروض العربي ما يعرقل النهوض الشعري، حيث تفسر كلمة ارتقاء، إلى جانب كلمة قيود، في نص تعريفه للشعر المنثور مدى انشغال أمين الريحاني بفكرة التقدم، التي كانت انشغالاً ثقافياً عربياً في ذلك الوقت، فقد دعا خليل مطران إلى تحرر الشعر العربي شريطة أن يبقى شرقياً وعربياً، ودعا بول شحادة إلى تقليد الشعر الأوروبي والتخلي كلية عن القافية، لأن ذلك يجعل النظم سهلا، كما دعا عبد الفتاح فرحات إلى تحرير الشعر من الوزن والقافية كي يتسع للملحمة، ويساير النهضة الغربية. وكان مسعى هؤلاء الشعراء هو تحديث الشعر العربي كي يرقى إلى مصاف شعر الأمم الراقية المعاصرة له، متخذاً من شعرها نموذجاً يحتذي من طرف الشعراء العرب. وتوظف المؤلفة مفهوم «القيمة المهيمنة» على نماذج القصائد التي تختارها لأعلام الشعر المنثور، من أمثال الريحاني، الذي نعته النقاد بأبي الشعر المنثور، وأحمد زكي، وأبو شادي، وأحمد شوقي، وجبران خليل جبران، وسواهم. والهدف هو تحديد العنصر المهيمن في الخطاب المؤثر في العناصر الأخرى، بغية توضيح هيمنة قيم جمالية كانت سائدة في المرحلة التي انتشر فيها الشعر المنثور. وتخلص من خلال توظيفه إلى المطالبة بإعادة النظر في مجال البحث المصطلحي للجنس الشعري، وإعادة النظر في مصطلح الشعر المنثور.

وفي سياق سعي المؤلفة إلى تقديم تصور عام للحداثة الشعرية، توضح فيه علاقة الشعر المنثور بحركة التحديث الشعري، وبالحداثة الشعرية العالمية، التي كانت السبب المباشر في ظهور هذا الجنس الشعري، فإنها تبرز سلطة النص المقدس وتأثيره على شعر المرحلة، حيث تعتبر أن مصطلح الشعر المنثور في العالم العربي كثيف الدلالة، يحتاج إلى أكثر من مراجعة، لأن الفهم الخاطئ للمصطلح قد يؤدي إلى الفهم الخاطئ لمعناه، وتخلص إلى أن الشعر المنثور هو قول شعري وليس شعراً، وذلك بالاستناد إلى ما جاء في كتاب «جوامع الشعر» للفارابي، والذي تساءل فيه: «إذا تمت عناصر التخييل في القول ولكنه لم يبن على وزن وإيقاع محدد، فهل يسمى شعرا؟»، ثم أجاب بالقول: «إنه لا يعد شعراً وإنما هو قول شعري».

عمر كوش

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكتاب: الشعر المنثور

والتحديث الشعري

تأليف: حورية الخمليشي

الناشر: الدار العربية

للعلوم ومنشورات

الاختلاف

بيروت ‬2010

الصفحات: ‬198 صفحة

القطع: الكبير