يحاول مؤلف الكتاب، العلامة الفقيه محمد سعيد رمضان البوطي، تلمس صفات النورانيين والظلاميين، وهو تعبير انتشر كثيرا في الصحافة، من خلال سلم العلم فالدين فالأخلاق. وهما صفتان حلتا مكان صفتي التقدميين والرجعيين التي كان أصحابها يكسبون أنفسهم ميزة التفوق على أعدائهم. وانتشر فكر «التنوير» من خلال الترجمة، والذي كان معنيا بصراع الثقافة مع الكنيسية الأوربية، وتبدو لهجة السخرية الرصينة راشحة من كلمات البوطي وهو يطلب من احد المتنورين التفضل عليه بفيض من نوره المزعوم. ويبين المؤلف أن هؤلاء ينسبون التنوير العربي الإسلامي إلى طه حسين بإسراف لا مثيل له، تأسيا بأساتذة فرنسيين استعماريين، بعد تأليفه كتاب «في الشعر الجاهلي»، وخلعوا عليه لقب «عميد الأدب العربي»، بالرغم من أن لا يداني مصطفى صادق الرافعي في أدبه وثقافته، وما ذلك إلا لأنه يريد التشكيك في القرآن لكريم، وإسباغ صفة التاريخية عليه، ونقض أصله الرباني..؟!ويتابع البوطي في المقال الثاني من كتابه، نقض أوهام مقدسي العلم، والذي يُحصر في العلم التجريبي والتجريدي.
ويعود البوطي في مقاله الثالث، ضمن الكتاب، يعود إلى موضوع قديم متجدد وهو ( الحل العلمي للغز الكون والحياة)، فيذهب إلى بداهة أسبقية الفكر على التصور، وينفي كون الدين ظاهرة اجتماعية كما يزعم مفكرو النهضة الأوربية، يتبعهم في ذلك عدد كبير من مفكري النهضة العربية ! فهاهي الندوات العربية تعقد في البلاد العربية بعناوين تجهد في الخلط بين الفكر الإسلامي والإسلام، لبث البلبلة في ذهن المسلم، ومتابعة أطروحة طه حسين في جعل الإسلام ظاهرة تاريخية تطورية اجتماعية أو اقتصادية ومن هذه المحاولات ما تسعى إليه مؤسسات صحافية تزعم تبجبل النبي صلى الله عليه وسلم، بوصفه مصلحا وأسوة أخلاقية، وليس بوصفه نبيا مرسلا!
ويوضح المؤلف أن عقدة القديم والجديد لا تزال واحدة من أهم العقد عند خصوم الشريعة الإسلامية، ومن ذلك ينبع اتهامهم حدود الشريعة الإسلامية بالشدة والقسوة، لكنهم يغمضون أعينهم عن عقوبات جماعية من دول طغيانية تبيد فئات أو تذيب أشخاصا من اجل كلمة!! كما أنهم يعتبرون الإيمان بالقضاء والقدر من مخلفات البداوة وليس ركنا من أركان الإيمان! كما أن خصوم الإسلام هؤلاء- كما يؤكد المؤلف- يجهدون في تشويه حقائق الإسلام بشعارات معسولة، مثل «التقاليد الإسلامية» بديلا عن «الأحكام الإسلامية»، وشتان ما بين الاثنين؟
كما يحذر في مقال عن ثمرات التربية الإسلامية، يحذر من دعوات تبسيط اللغة العربية والبخل بالساعات على مادة التربية الإسلامية في المدارس، فهدف التربية الإسلامية الأسمى هو رعاية الكرامة الإنسانية و ضمان العيش السعيد. ويؤكد أنه لا بديل عن الدين لاستنبات الأخلاق الفاضلة فالمعايير الوضعية مثل الضمير والمبادئ متغيرة بتغير الأغراض الشخصية التي تتبع المصالح والأهواء. وأما سبب المشكلة الأساسية في المسلمين وهوانهم الحالي فهي- حسب رأيه- أزمة القيادة وغياب الثقة وفقدان الاختصاص. ولعل أهم مقالات الكتاب «المشكلات النفسية للمسلم»، والتي تتمظهر في العصبية للذات والانتصار للنفس، وفقدان الاستقرار النفسي والفكري، والانبهار الشخصية المسلمة ببريق الحضارة الغربية.. والعلاج لهذه الإمراض يكون بالتزكية والإيمان بالله حق إيمانه وبمراقبته والتزام عباداته وتجنب محارمه وخاصة أكل الحرام. ويُبصّر البوطي الدعاة بضرورة التبشير بموجبات الرحمة ومعاني التوكل والإخلاص، وليس التنفير بالتذكير المستمر بالبدع والسلبيات و النار، وما إلى ذلك ؟.
أحمد عمر
الكتاب: الظلاميون
والنورانيون
تأليف: محمد سعيد
رمضان البوطي
الناشر: دار الفكر
دمشق 2010
الصفحات: 199 صفحة
القطع: المتوسط
