مؤلف الكتاب، يوسف زيدان، في تناوله لمحاور البحث المطروقة، نظرية يسميها «تداخل الدوائر»، ويعني بها أن الديانات الثلاث تتأثر وتؤثر على بعضها البعض، بغض النظر عن الأسبق زمنياً منها، وبالتالي فإن الديانة اللاحقة قد تؤثر في السابقة، مثل ما تؤثر السابقة في اللاحقة. فكل ديانة تستكمل ذاتها وتعيد بناء عقائدها بشكل منفتح قد يأخذ من الدوائر الأخرى، حيث تربط بينها «علاقة جدلية» لم يؤثر عليها اختلاف المصطلحات، طالما أن المعاني متشابهة.
ولذلك فإن المؤلف يجهد في الكشف عن الروابط الخفية بين المراحل التاريخية المسماة بـ «التاريخ اليهودي» و«التاريخ المسيحي» و«التاريخ الإسلامي»، والنظر إلى هذه التواريخ باعتبارها تاريخاً واحداً ارتبط جغرافياً، وتحكمت فيه آليات واحدة لابد من إدراك طبيعة عملها في الماضي والحاضر.
وهذا يعني أنه لا يمكن فهم طبيعة عمل التواريخ الحاضرة، دون النظر المتعمق في طبيعة عملها خلال ماضينا الطويل المشترك.
ويوضح زيدان أن أهم تجل لتلك الوحدة بين التواريخ فيمكن اختباره على أرض الواقع. فالسمات العامة للثقافة العربية أو «العقلية العربية» السابقة على الإسلام واللاحقة عليه، هي سمات تمتاز بأنها ثقافة عملية لا تنزع إلى التفلسف النظري العميق، ولا تقبل فكرة الامتزاج بين الآلهة والبشر، وتعتقد بوجود كائنات وسيطة بين العالمين الإلهي والإنساني، كالجن والكهان والأنبياء والمُلهمين. وهذا الأمر يوجد في الديانات الثلاث، وذلك طبعاً بخلاف الديانات المصرية واليونانية القديمتين اللتين كانتا تعتبران الآلهة قريبة من البشر لدرجة أن تلك الديانات حولت الآلهة إلى نصف بشري ونصف ألهي، كما أن تحدي البشر للأرباب كان مألوفاً.
وينتهي المؤلف إلى أن السمات العامة للعقلية العربية كان لها أثرها القوي والخفي في وعي العرب لليهودية والمسيحية والإسلام، حيث قاموا بتأويل النصوص المقدسة لتلك الديانات بما يتناسب والعقلية التي تحكم تفكيرهم.
وعندما يسقط المؤلف هذه الفكرة على الجدل الذي دار طويلاً في المسيحية حول ماهية المسيح، يجد أن الكنائس الموجودة في مصر والغرب، كانت تميل إلى القول ان المسيح ابن الله ومن طبيعة لاهوتية، أما الكنائس الشرقية، ومن بعدها الإسلام، فقد أخذت هذا الكلام على سبيل المجاز، ونظرت إلى المسيح على أنه بشر مخلوق ونبي من أنبياء الله، وأن الله خلقه في بطن مريم من غير ذكر. أما الكنائس والكهنة في الغرب ومصر فقد رفضوا هذه التأويلات وعدوها هرطقة.
وأما القرآن فقد قدم، من خلال قصص الأنبياء، حلاً لإشكاليات عقائدية كبيرة قد ظهرت في مناقشات اليهود والنصارى.
وهو في هذا السياق يعيد بناء الحكايات التوراتية والإنجيلية عن الأنبياء، بما يتناسب ويتوافق مع «العقلية العربية» والرؤية العبرية النمطية. وعلماء الكلام العرب كان لهم جولة مطولة في تأويل وتفسير الدين الإسلامي أيضاً. ففي الشام والعراق ظهر أيضاً في القرن الأول الهجري علماء للكلام أخذوا يجادلون في تفسير بعض القضايا الدينية، ولاسيما تفسير القدرية أيام الأمويين الذين ألحوا على القدرية المطلقة. وفي هذا السياق يستشهد المؤلف بـ غيلان الدمشقي والجهم بن صفوان والجعد بن درهم ومعيد الجهني. ويشبه المؤلف المحنة التي مر بها هؤلاء في الإسلام، بمحنة آباء الكنيسة الأوائل في «عصر الشهداء».
وفي الختام يبين المؤلف أن فصل الدين عن السياسة وهم تبدده حقائق التاريخ العقائدي للديانات الرسالية الثلاث، التي امتزج فيها الدين بالسياسة امتزاجاً شديداً يصعب معه في كثير من الأحيان، تمييز ما هو سياسي من ما هو ديني. والسياسة تجلب إلى الدين العنف، ما يعني أن هناك علاقة جدلية بين الدين والسياسة والعنف.
رشيد الحاج صالح
الكتاب: اللاهوت العربي
وأصول العنف
الديني
تأليف: يوسف زيدان
الناشر: دار الشروق
القاهرة 2010
الصفحات: 231 صفحة
القطع: الكبير
