تلتقي التحليلات اليوم على القول أن اليسار في أوروبا ينحسر بينما تتقوّى مراكز اليمين المتطرّف. وعالم اللسانيات الإيطالي، الأستاذ في جامعة روما، رافاييل سيمون يقدم كتابا تحت عنوان «المتوحش اللطيف» ويتساءل فيه: «هل ينعطف الغرب يمينا»؟، كما يقول عنوانه الفرعي.

إن المؤلف ينطلق في تحليلاته من الحالة الإيطالية، وهو يشرح واقع الانحسار الذي يعاني منه اليسار بالاعتماد على ظاهرة «سيلفيو برلسكوني» رئيس الوزراء الإيطالي الحالي ثم يعمم التحليل على الواقع الأوروبي والغربي عامة. ويرى أن «الشعارات» التي يرفعها اليسار قد فقدت فاعليتها بسبب «الازدهار السريع» لما يسميه بـ»اليمين الجديد«. ويربط المؤلف هذا الازدهار بالتحولات الراهنة للمجتمعات الغربية وللثقافة الجماهيرية فيها.

ويشرح رافاييل سيمون أن المجتمع الجديد «المعولم» يقع تحت سيطرة ما يمكن تسميته بـ»المتوحش اللطيف«، بالمعنى الذي استخدم فيه عنوان الكتاب، والذي يعبّر عن ثقافة «ذات وجه باسم ومتجهّم بالوقت نفسه» ومجتمع يقدّم الوعود بـ»رغد العيش للجميع« لكنه يسعى أيضا إلى «تنويم الضمائر» عبر مفاهيم الاستهلاك والتملّك. ولكن بالتوازي مع هذا تسود حالة من الخلط بين «ما هو خيالي» و»ما هو واقعي«. هذا بمعنى أن «الصورة قد حلّت محل الواقع» و»حل التمركز حول الذات مكان التعاطف«.النتيجة المباشرة لمثل هذه الحالة كانت انصراف عموم الناس عن مواضع «هامة وجوهرية» دون وعي منها. ولم يكن من أحزاب اليمين الأوروبي سوى أن انخرطت بكل إرادتها في مثل هذا النموذج-الموديل. هنا يحدد المؤلف القول أّن إيطاليا تمثل «طليعة» في هذا التوجه. وسيلفيو برلسكوني هو مثال بارز لمثل هذا النمط من الحكم.أحزاب اليمين الأوروبي هي التي يطلق عليها المؤلف توصيف «المتوحش اللطيف». ويرى أنها برزت خاصة بسبب الأخطاء التي ارتكبها اليسار. ويجد رافاييل سيمون مرجعيته الفكرية الأساسية في تحليل الظواهر السائدة في المجتمع الحالي لدى عالم الاجتماع الشهير «الكسي دو توكفيل» الذي كان قد وصف في كتابه «حول الديمقراطية في أميركا»، صيغة جديدة من السيطرة. هذه الصيغة تقوم على التدخّل في كل شيء وصولا إلى الحياة الخاصة للمواطنين وإشاعة نوع النزعة التسلطية «أكثر شمولا وأكثر لطفا» بحيث يكون منها أنها «تقلل من شأن المعنيين بها دون أن تعذّبهم». هذه الصيغة الجديدة من السلطة «لا يناسبها القاموس القديم للاستبداد وللطغيان»، كما ينقل المؤلف عن توكفيل الذي يضيف أنها تُحدث تغييرات كبيرة لدى الأفراد الذين كانوا قد ناضلوا من أجل الحصول على الحرية. إنها تحوّلهم إلى «جموع متشابهة من البشر (...) الذين يبحثون دون كلل ولا ملل عن متع صغيرة وعادية (...) وحيث يكون كل منهم، في زاويته، كغريب عن مصير الآخرين».ويحدد المؤلف القول أن «المتوحش اللطيف» الزاحف يحاول فرض نفسه على الحداثة عبر مسألتين أساسيتين. المسألة الأولى تتعلق بالدعوة إلى الاستهلاك الذي يمثل «مفتاح المنظومة» الجديدة. كما أنه «الواجب الأول» للمواطن. هذا على أساس أن الهدف الأول من الاستهلاك هو الحصول على السعادة. والاستهلاك رديف للتسوّق والمال السهل والميل إلى الإسراف وليس التوفير وللشراء وليس الزهد والمحافظة على مستوى العيش وليس احترام الوسط المحيط. المسألة الثانية هي الدعوة لـ»التسلية». ذلك أن العمل يفقد أكثر فأكثر من قيمته ويغدو ثانويا. المهم هو عالم سعادة اللحظة كما يبدو من خلال برامج البث التلفزيوني ومحتويات أغلبية وسائل الإعلام. المهم هو الوقت الحر وعطلة نهاية الأسبوع ومكان قضاء عطلة الصيف وألعاب الفيديو والانتقال من قناة تلفزيونية إلى أخرى.لكن هل يمكن أن يتحول «المتوحش اللطيف» إلى «متوحش شرس»؟ ما يشير إليه المؤلف في معرض الإجابة هو أن هناك «ميل استبدادي» باتجاه السيطرة على الخصوم وجعل البشر مجرد «مستهلكين» و»مشاهدين للتلفزيون». ولا ينسى المؤلف أن ينصح في النهاية بإعادة قراءة عمل «جورج اورويل» الشهير الذي يحمل عنوان «‬1984».

الكتاب: المتوحش اللطيف

هل ينعطف

الغرب يمينا؟

تأليف: رافاييل سيمون

الناشر : غاليمار

باريس ‬2010

الصفحات: ‬180 صفحة

القطع: المتوسط

Le monstre doux l'Occidet vire-t-il à droite

Raffaelle Simone

Gallimard Paris- 2010

180p.