لا شك أن نلسون مانديلا هو أشهر رجال عصره. وكان العالم باستمرار يصغى بانتباه إلى ما يقوله. وها هي تصدر اليوم آراؤه حول مختلف نواحي الحياة وقضايا العالم تحت عنوان «حوارات مع الذات». ولا شك أيضا أن نشر مثل هذه «الحوارات» هو حدث تاريخي بحدّ ذاته.
صدر كتاب «حوارات مع الذات» يوم 12 أكتوبر-تشرين الأول 2010 بعشرين لغة و22 بلدا. مقدمة الكتاب يحررها الرئيس الأميركي باراك اوباما، وهو يحتوي على مجموعة من الكتابات والرسائل واليوميات التي كان مانديلا قد كتبها في السجن أو أثناء حياته السرية أو خلال رئاسته لبلاده.
ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب هو أن كل ما يحتويه مكتوب كما كان قد حرره أو قاله أو فكّر به مانديلا، ولم تتم «إعادة كتابته» مثلما كان الأمر بالنسبة لكتاب سيرته الذاتية المنشور عام 1995 تحت عنوان: «طريق طويل نحو الحرية» الذي بيعت منه 7 ملايين نسخة في جميع أرجاء العالم. ويقول مانديلا عن كتابه الجديد: «لقد أخرجني رفاقي من الظلمة كي يصنعوا منّي فزّاعة أو لغزا».
وفي هذا الكتاب يظهر نلسون مانديلا كما هو: «بلا رتوش»، إنسان عرف أشكال الخوف وارتكب الأخطاء ويعترف بنقاط ضعفه. إنه يتحدث عن أسرته وعن حزنه العميق بسبب وفاة والدته التي لم يستطع حضور دفنها، وعن وفاة ابنه البكر، وعن حالات انفصاله عن زوجاته. زوجته الأولى «ايفلين ماز» التي توفيت عام 2004، ثم انفصاله الذي سبب له ألما كبيرا عن»ويني مانديلا».
كذلك يحتوي الكتاب على مقاطع طويلة مع كانت كان مانديلا قد شرع بكتابته ولم ينته منه أبدا في «السنوات الرئاسية». وليس قليلة هي الصفحات التي يتم تكريسها في هذا الكتاب للحديث عن نضال القارة السوداء وعن أولئك «الثوريين» من رفاقه وغيرهم الذين جذبتهم المكاسب والمناصب.
ويعود مانديلا طويلا في هذا الكتاب إلى الحديث عن سنوات السجن. ويؤكد القول أنه واجه باستمرار مشكلة حقيقية برزت أثناء فترة السجن واستمرّت بعدها. ويحددها بتلك «الصورة المزيّفة» التي شاعت عنه وقدّمته للآخرين على أنه «قديس». «لكنني لم أكن قدّيسا في أي يوم من الأيّام»، كما يقول ويؤكد. «هذا ولو كانت مرجعية تعريف القديس أنه «خطّاءً يحاول أن يحسّن من ذاته». يكتب: «إن إحدى المشاكل التي أقلقتني في السجن بعمق تخص الصورة المزيفة دون إرادتي، لكن جرى تقديمها للعالم، وهي أنني قدّيس».
ويجد القارئ في هذا الكتاب العديد من الرسائل التي كانت قد جرت مصادرتها أثناء فترة سخية ولم تتم إعادتها له سوى في عام 2004. إحدى هذه الرسائل كان قد كتبها لابنته التي تقول اليوم: «هذه هدية جميلة يقدمها لي ولكل من يقرأ هذا الكتاب. لقد وقعت على رسالة كان قد كتبها لي ولم تصل أبدا. وهو يقوم فيها بتحليل لأشعاري. هذا مؤثّر جدا بالنسبة لي وأصابني بشحنة عالية من الانفعال».
وتتعرّض إحدى الكتابات لذلك السفر الذي قام به مانديلا إلى لندن عام 1962 قبل اعتقاله. يكتب: «كان أمرا مثيرا جدا أن أجد نفسي في لندن. هذه العاصمة لبلاد كانت قديما الإمبراطورية البريطانية القوية». ويبدو من خلال كتابته عن تلك الزيارة مدى «الفضول» الذي كان يتملّكه لمعرفة العالم وللقاء مع الآخرين.
ومن الكتابات «الحميمة» في هذه «الحوارات» تلك التي تخص ويني، المرأة التي أحبّها كثيرا، ويصفها أنها «شجاعة ومصممة تحب شعبها من كل قلبها وبكل جوارحها». وكان قد تزوج معها عام 1958 أي قبل أربع سنوات من دخوله السجن. ويقول مانديلا في رسالة كان قد وجهها لابنتهما «زيندزي» في شهر ديسمبر- كانون الأول 1979 من السجن، لكنها «صودرت»، ما نصّه: «لقد كانت أمّك رائعة. وكانت مشرقة (...) حيث عشنا لمدة تزيد عن العامين شهر عسل بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة». ورسائل أخرى «مؤثّرة» يتضمنها الكتاب هي تلك التي تخصّ الألم الذي عانى منه مانديلا بسبب توقفه عن رؤيتها ومعرفته لما عانته من مضايقات قوى النظام العنصري لها أثناء فترة سجنه.
وجاء في رسالة إلى ويني تعود لعام 1970: «أية لحظة مرعبة نعيش» ويضيف: «أحس أن كل أجزاء جسدي، لحمي، دمي، عظامي وروحي لم تعد سوى فقاعة، وعجزي المطلق عن تقديم المساعدة لك في هذه اللحظات الرهيبة التي تعرفينها يؤرقني كثيرا».
في هذا الكتاب «الحوارات مع الذات» تظهر الملامح الأساسية لحياة مانديلا منذ استيقاظ وعيه السياسي حتى دوره الكبير على المسرح العالمي. وحصاد زاخر من الدروس الحقيقية لحياة رجل مثله.
لكتاب: حوارات مع الذات
تأليف: نلسون مانديلا
الناشر: مكميلان
لندن 2010
الصفحات: 344 صفحة
القطع : المتوسط
Conversations with myself
Nelson Mandela
MacMillan- London - 2010
344p.
