بدأ الإنسان بغزو الفضاء منذ مطلع عقد الستينات الماضي وتحديدا في المرحلة الفضائية التي قام بها الروسي يوري غاغارين عام 1961 ثم الخطوات الأولى لرائد الفضاء الأميركي ارمسترونغ على سطح القمر.
تبدو «الحقبة الأولى» لغزو الإنسان للفضاء وكأنها تنتمي إلى الماضي البعيد. والخبير الفرنسي بالسياسات الفضائية وتكنولوجياتها وبرامجها الان دوباس يقدّم كتابا عما يسميه «غزو الفضاء الجديد»، كما جاء في العنوان.
الفكرة الأساسية الأولى التي يؤكد عليها المؤلف هو أن حقبة غزو الفضاء ليست قديمة ولا تزال راهنة اليوم، وستكون راهنة أكثر في الغد.هذا مع الإشارة إلى أن الوصول إلى كوكب «المرّيخ» لا يزال الهدف الأول بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. أمّا متى؟ فإن المؤلف يميل إلى الاعتقاد، بناء على المعطيات الحالية أن الأمر سوف يتم في السنوات القليلة التي تعقب عام 2030.
وما يؤكده المؤلف هو أن الدول الصاعدة، وفي مقدمتها الصين والهند، هي بصدد الاهتمام بالفضاء. والصين قد وضعت في برامجها هدفا قريبا هو الوصول إلى القمر. لكن الصين لا تريد أن تكرّر نفس الخطأ الذي كان السوفييت قد ارتكبوه في بدايات عصر غزو الفضاء والخاص بالإفراط الكبير بحجج الاستثمارات في هذا المجال. وتؤكد التحليلات المقدمة أن الصينيين لا يغيب عن نظرهم أبدا الهدف الأولي والجوهري بالنسبة لهم، وهو تحقيق السبق أولا وأساسا على الجبهة الاقتصادية، وعدم المخاطرة بأية استثمارات يمكن أن تعيق تحقيق هذا الهدف.
لكن الصينيين أرادوا أن يثبتوا بالوقت نفسه كفاءتهم للجميع حيث أرسلوا قبل فترة قريبة رحلات فضائية، لا بشر فيها. أمّا الهند فتضع في مخططاتها إرسال سفن فضائية تحمل بشرا في أفق عام 2015. ويحدد المؤلف القول إن للهند أيضا طموحات فضائية ذات طابع محلّي، ذلك أنها تسعى إلى إمكانية «الرقابة على جيرانها»، وكذلك استخدام الأقمار الصناعية من أجل توسيع مدى انتشار قنواتها التلفزيونية الداخلية. ذلك على أساس أن هذه القنوات تشكّل أداة رئيسية من أجل توصيل البرامج التربوية والثقافية إلى أوسع الشرائح التي هي بحاجة ماسّة إلى مثل هذه البرامج.
وإذا كان الاتحاد السوفييتي السابق هو صاحب السبق في إرسال أول بعثة «بشرية» إلى القمر، فإن النشاط الروسي في مجال غزو الفضاء تضاءل كثيرا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991. ووصل الأمر إلى حالة من الجمود شبه الكامل لمثل هذا النشاط في ظل رئاسة بوريس يلتسين.
لكن موسكو استأنفت ذلك بدفع من فلاديمير بوتين بعد وصوله إلى السلطة عام 2000. وقد ركّز العلماء الروس جهودهم على تأمين حسن سير المحطة الفضائية «سويوز». تتم الإشارة في هذا السياق أن روسيا قررت أن تقوم بعملية تجديد كاملة للبنى الأساسية الخاصة بمجالات الصناعات الفضائية، وهي تجد نفسها ملزمة للقيام بهذه المهمة، باللجوء إلى تطوير شراكات جديدة، إما مع الغربيين، وخاصة الأوروبيين، أو مع القوة الصاعدة الجديدة، الصين. المهم بالنسبة للروس هو تأمين تزويدهم المحطة الفضائية الدولية، مما يسمح باستمرار عملها ويعطيهم امتيازا كبيرا.
ويتعرّض المؤلف على مدى العديد من الصفحات للبرامج الفضائية الفرنسية ـــ الألمانية التي تجسّدت في قيام «الوكالة الفضائية الأوروبية» التي كان المنجز الأكبر لها هو صاروخ «اريان» الذي يمثل قفزة «تكنولوجية وصناعية وتجارية هائلة». ويشير المؤلف هنا إلى بعض التباطؤ والتلكؤ في البرامج الفضائية الأوروبية في المرحلة الراهنة بسبب غياب الإرادة السياسية المشتركة والأهداف الواضحة.
ومن بوادر استئناف نشاط «غزو الفضاء الجديد» يحدد المؤلف واقع اللقاءات الدورية المنتظمة التي تقوم بها أربعة عشر وكالة فضائية عالمية منذ عام 2006. هذا في أفق يحدد هو الوصول إلى صياغة إستراتيجية فضائية مشتركة. وتتم ملاحظة أن أوروبا تمثل شريكا هاما في هذه المغامرة.
الكتاب: غزو الفضاء الجديد
تأليف: الان دوباس
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2010
الصفحات: 833 صفحة
القطع : المتوسط
La nouvelle conquête spatiale
Alain Dupas
Odile Jacob - Paris 2010
338p.
