يوضح المفكر الراحل فؤاد زكريا، في الكتاب مفهومه للثقافة كونها الجوهر الجامع للأفكار. فهي عنده «ليست أماناً واطمئناناً، وليست دعة وهدوءاً، وإنما هي العيش في خطر، وهى قلق وتوثب دائم». ويقول: «إن الكتاب العظيم والفن العظيم يكدران صفو حياتك، ويقضيان على استقرارك، ويجلبان لك القلق والانشغال». وهو ما يعني أن الثقافة هي الحياة، وليست كأي حياة، بل حياة متفاعلة ومتحركة، لا تدفع المثقف للاطمئنان للواقع المعاش، وإنما إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع.وعلى هذا الأساس يرى زكريا أن المثقف هو رجل القرار والاختيار، ثم رجل قادر على رسم البدائل والبحث عن الحلول، وهذا فيما يخص مجتمعه، قبل أن يخصه شخصياً. كما يتوقف المؤلف أمام مصطلح «الثقافة الرفيعة»، حيث يقول: «أما المثل الأعلى للثقافة، في أي مجتمع هو إزالة الحد الفاصل بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية»، مفترضاً بهذا أن المثقف الحق هو القادر على التعرف على الاثنين معاً، والتمييز بينهما.. ولا يعد المثقف مثقفاً إذا ما اقتصر ذوقه على النوع الأول فحسب.وفي خصوص قضية الترجمة أو التعريب، يقول المفكر الراحل: «انه في كل مرحلة يبدو فيها مشروع النهضة في حياتنا أملاً عريضاً يبرز التعريب بوصفه أول عناصر هذا المشروع وأكثر وسائله فاعلية». ما يعني أن مشروع النهضة العربية منذ أن بدأت باتصال العرب بالغرب في العصر الحديث، لم يحقق جدواه إلا باستخدام التعريب والترجمة، كخطوة أولى للاستفادة من المعطى والمنجز السابق. وكثيراً ما يشير الكاتب إلى التجربة النهضوية في اليابان وكوريا وغيرهما، فكلها استفادت من الترجمة، وجعلتها الخطوة الأولى، حتى استقامت علومها.

ويعرض الكتاب لنماذج تطبيقية للمناقشة، مثل قضية «الإيمان والعلم»، إذ يرى المؤلف أنه لا تزال العلاقة بين الإيمان والعلم من المسائل المعلقة بل المضطربة في الذهنية الإسلامية، داعياً إلى ضرورة حسم القضية، والتي كانت أثيرت في سياق «علم الكلام»؟ حيث كان السعي إلى المعرفة المنظمة يفترض أن للطبيعة قوانين ثابتة، وبدا ذلك لبعضهم حداً من القدرة الإلهية. ولكن وجد المعتزلة حلاً يوفق بين الإيمان والعلم، وقال الأشاعرة وأهل السنة برفض الطبائع الثابتة للأشياء، مع ضرورة التدخل الإلهي، ليس في خطة الخلق الأصلية (كما قال المعتزلة) بل في خطة المجرى التفصيلي لأحداث العالم. ويبين زكريا أنه في عصر النهضة الإسلامية الأولى، لم يجد العلم الإسلامي صعوبة في قبول المؤثرات الوافدة من الحضارة اليونانية، في حين الأخذ من الحضارة الغربية الآن بات مثيراً للجدل. ذلك لأن معطيات الحضارات القديمة، وفدت إلى المسلمين بعد أن فقدت فاعليتها على أرضها، بينما الحضارة الغربية التي نأخذ منها الآن، هي في ذروتها وتسعى لتفعيل ذاتها خارج أراضيها. ويشدد المؤلف على ضرورة ان يعتني المفكر الإسلامي اليوم في القيام بدور القضاء على التزمت والجمود، واللجوء إلى المرونة الفكرية، كون ذلك مرتبطاً بجذوره الاجتماعية، وكذلك أن يكون المجتمع الإسلامي مهيئاً لاستقبال الأفكار بلا تعصب أو تشدد.

الكتاب: خطاب إلى العقل العربي

تأليف: فؤاد زكريا

الناشر: سلسلة الفكر «هيئة الكتاب المصرية» ‬2010

الصفحات: ‬208 صفحات

القطع: المتوسط