يكرّس مؤرخ الحياة الثقافية والسياسية الأميركية «هيرفي ج. كوهن» كتابه الأخير للموسيقي الشهير «دوك الينغتون». ولا يولي اهتمامه لمسيرته الموسيقية ولكن لشرح المحطات الرئيسية في حياته الخاصة، وقبلها حياته العامة. هذا على أساس الدور الذي لعبه الموسيقي الشهير على صعيد الحقوق المدنية للسود.
ولا يتردد المؤلف في القول إن الينغتون قد «ساهم خلال نصف قرن من العمل الكثير في الثقافة الأميركية وفي تحولات المشهد الثقافي للأمة».
إن هذا الكتاب لا يأتي بصورة «سيرة ذاتية» بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكنه نوع من دراسة المسار التطوري الذي عرفه الموسيقي على صعيد عمله الفني أولا ثم من خلال مواقفه حيال القضية الأفرو-أميركية، أي قضية السود، وحيث كان يؤكّد باستمرار أن أفضل طريقة لخدمة هذه القضية هي «النجاح الفردي أو الجماعي». وتركيزه على ضرورة نشر «الثقافة السوداء» التي أخذت باستمرار حيّزا كبيرا ومركزيا في مختلف أعماله.
ويتم الوقوف طويلا أمام «المعركة» التي خاضها الموسيقي بعد الحرب العالمية الثانية من أجل المحافظة على جوقته من الانهيار. وكان قد نال الاعتراف به عمليا منذ عام 1956 كـ»أحد عمالقة» الثقافة الأميركية. تتم الإشارة هنا إلى رفض مجلس إدارة جائزة بوليتزر الشهيرة منحه جائزة خاصة في تلك السنة.
وكانت جوقة «الينغتون» قد تشكّلت منذ سنوات الثلاثينات وقامت منذ تلك الفترة بجولة وطنية لاقت فيها الكثير من النجاح بعد نجاحات كبيرة كان يحققها الموسيقي كل مساء في «كوتون كلوب» في هارلم. لكن أجواء التمييز العنصري التي كانت سائدة أدّت إلى تأجيل بث موسيقاه على موجات الأثير في الإذاعات حتى ساعة متأخرة من الليل.
لكن رغم ساعات البث المتأخرة فإن جموعا حاشدة كانت بانتظار فرقة دوك الينغتون على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة، وخاصة في لوس انجلوس وسياتل وشيكاغو. وقد ظهر آنذاك بوضوح مدى قدرة الإذاعة الوطنية على المساهمة في خلق «نجوم الموسيقى الجديدة». ويشير المؤلف إلى الأهمية التي أخذتها فرقة الينغتون آنذاك بالقول: «في خريف عام 1931، كانت الفرقة تطالب بضمان 6000 دولار أسبوعيا أو 1000 دولار من أجل كل يوم». هذا مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام كانت كبيرة جدا بالنسبة لفرقة «أفرو-أميركية»، سوداء، خاصة في فترة «الكساد الكبير» السائد بعد الأزمة الكبرى التي اندلعت منذ عام 1929 على المستوى الأميركي، والعالمي. ويعادل المبلغ المشار إليه اليوم حوالي 85000 دولار.
ومنذ سنوات الثلاثينات أيضا ظهرت أشكال من النقد لما سمي بـ»الموسيقى الشعبية في أميركا» وخاصة «الموسيقى الأفرو-أميركية». يكتب المؤلف: «خلال الجولة الأولية لالينغتون على المستوى الأميركي ظهرت في الصحافة مقالات عديدة بدا أصحابها أنهم من الهواة بأسلوب كتاباتهم وبما وجدوه من مرجعيات لدى مؤلفين موسيقيين كلاسيكيين. إن أميركا لم تكن تملك حينئذ تقاليد النقد الجدّي لأعمال الموسيقى الشعبية (...) بدلا من التحليل والتأمّل الفكري».
بالمقابل «كانت جولة الينغتون الأوروبية عام 1933 وما أشارته من نقد دورا حاسما في تحسين نقد موسيقى الجاز بأميركا»، كما يكتب المؤلف. ويؤكد دور الموسيقى نفسه في ذلك والتزامه بـ»الموسيقى الجديّة» وخاصة «بلاغته أثناء المقابلات التي كانت تجريها وسائل الإعلام معه والتي كان «يبدي فيها غالبا ملاحظات حول تاريخ الموسيقى السوداء». ويذهب في نفس الاتجاه ظهوره في العديد من الأفلام السينمائية التي كانت تنتجها هوليود كـ»مؤلّف موسيقي عبقري» على خلاف تلك الصورة السائدة التي كان يتم تقديم السود فيها.
ومن التغييرات الجوهرية في الموسيقى السوداء التي كان دوك الينغتون هو رائدها، يذكر المؤلف واقع أنه كان قد حرص خلال جولاته على العزف في مسارح كبيرة بحيث يكون المستمعون جلوسا كي يتلقوا جيدا موسيقاه وليس مترافقة بالرقص كما جرت العادة بالنسبة للموسيقى السوداء.
هذه الموسيقى كان يتم النظر إليها حصرا على أنها ذات تعبيرات «حسيّة» مكرّسة لمرافقة الرقص. نقرأ: «إن الينغتون، أكثر من أي إنسان آخر في تلك الحقبة، كان هو الذي حطّم تلك الأفكار الخاطئة، وفي خلق إمكانيات جديدة وهويات للموسيقى السوداء ولمكانة الموسيقيين لدى وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء العالم».
ويؤكد المؤلف نقلا عن أخت الموسيقي «روت الينغتون» أنه في بيتهم «لم يتم أبدا الحديث عن لون البشرة». وينقل عن الموسيقي نفسه تأكيده أن أسرته «لم تعرف الفقر» وأضاف «لقد أطعمتني أمّي بملعقة من فضة طيلة حياتي».
لكن تربية الينغتون البعيدة عن «التمييز العنصري»، لم تجنّبه أن يواجه ويقود معركة ضده في مسيرته الموسيقية.
مع ذلك «كان يسير دائما إلى الأمام كي يبدع موسيقى لا تنسى»، كما يقول المؤلف في أحد جمله. ويضيف في مقطع أخير أن الينغتون: «تفاعل أميركا التي عرفها مع عالمه ومع موسيقاه. وساهم في تحويل في تطور المشهد الوطني والمعرفي والثقافي كما في خلق تراثه الموسيقي. باختصار هو الذي ارتقى بالموسيقى الأميركية إلى مصاف الموسيقى الأوروبية. و»كان يحب أن يردد أن موسيقاه خارجة عن كل تصنيف».
الكتاب: أميركا دوك الينغتون
تأليف: هيرفي ج. كوهن
الناشر: جامعة شيكاغو
2010الصفحات: 730 صفحة
القطع: المتوسط
Duke Ellingto's America
Harvey G. Cohen
University of Chicago Press - 2010
730p.
