في كتابه الذي يحمل عنوان: «‬20000 مليار، وقائع الجنون الأميركي» ينقل مؤلفه ادوار تيترو كلمة قالها ذات يوم عالم الاجتماع الشهير إلكسي دو توكفيل عن أميركا وجاء فيها: «لا أعرف بلادا يأخذ فيها المال حيّزا أكبر في قلب الإنسان».

تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب «ادوار تيترو» كان قد تنبّأ عام ‬2002 بالانهيار القريب لمؤسسة «نيفازي يونيفرسال»، الأمر الذي حصل بعد ثلاثة أشهر فقط من توقعه لذلك. ويشرح في كتابه الجديد أن الولايات المتحدة الأميركية قد بدأت بالخروج من أكبر أزمة عرفتها منذ عام ‬1929. ولكنه يؤكد مباشرة بعد هذا «التفاؤل» أن «الخبر السيئ» هو أن أميركا نفسها سوف تجد ديونها العامة قد وصلت في أفق عام ‬2020 إلى ‬20000 مليار دولار. ومن هنا بالتحديد يأتي عنوان الكتاب «‬20 مليار دولار»، ثم يضيف له المؤلف عنوانا فرعيا يقول: «وقائع الجنون الأميركي».

إن المؤلف يسخر كثيرا من أولئك الذين يدعوهم بـ«الخنازير الصغار» في وول ستريت بسبب سلوكياتهم في الفترة التي سبقت الأزمة. ولكن ما يؤكد عليه هو أن الأميركيين إذا تابعوا الإيقاع الحالي في الإنفاق والاستدانة وإجمالا في السياسات المالية والاقتصادية فإن الحكومة الفدرالية ستجد نفسها بعد عقد من الزمن غارقة بالديون التي «لن تريد» و«لن تستطيع» سدادها.

الملفت هو أن مؤلف هذا الكتاب يناقش قضايا في غاية الحساسية بقدر كبير من «حسّ السخرية»، ولكن السخرية المرّة. ذلك عندما يؤكد أن قارئه، الأوروبي، هو الذي سوف يدفع قسطا كبيرا من الديون الأميركية كون أن «القوة العالمية الأولى لن تدفع أبدا ديونها» و«أنتم الذين سوف تدفعون» ،كما يخاطب قارئيه.

ويغوص ادوار تيترو في قلب ما يسميه بـ«جنون الأسواق المالية». ويحدد عددا من المظاهر التي تدلّ بالأحرى على نوع من الجنون وليس من العقلانية. مثلا هناك في أميركا ‬75 مليون كلب تتلقّى أكثر من حاجتها من الغذاء، وهناك «صقور» وول ستريت الذين لا يعرفون أي شيء «كما يقولون» عن إنتاج المواد السامّة، وهناك معدّلات فائدة قد تصل إلى ‬79,9 بالمائة، وهناك واقع الهجرة والمهاجرين الذين يتدفّقون إلى البلاد موجة إثر موجة، وهناك ظاهرة التزايد الكبير للناطقين باللغة الاسبانية في الولايات المتحدة الأميركية.

إن المؤلف يسرد العديد من «الحكايات» ذات الدلالة. هكذا يروي مثلا أنه كان في نيويورك يوم ‬22 سبتمبر ‬2009 عشية انعقاد قمة العشرين. وكان رئيس وزراء بريطانيا السابق غوردون براون قد دعاه مع «نصف دزينة» من الخبراء الماليين والاقتصاديين، مع تحديد الموعد في الطابق ‬18 من بناية «والدفور استوريا». لقد أخذ المؤلف، كما يقول، أول مصعد وعندما فتح الباب في الطابق المعني وجد نفسه محاطا برجال أمن أميركيين أخبروه أن أخطأ بالمصعد وعليه النزول من جديد لكنهم أمروه «بالتريث» قليلا. فجأة فهم السبب إذ رأى أمامه الرئيس باراك اوباما متجهّم الوجه. يسأل المؤلف: «من كان سبب ذلك التجهّم قبل ساعات قليلة من قمة العشرين».

ويضيف أن الجواب لم يتأخر. إذ بعد ثوان فقط من مغادرة الرئيس الأميركي احتلّ رجال أمن صينيون الطابق وأرغموا عناصر الأمن الأميركيين على الابتعاد بشيء من الجفاء. «ثم ظهر هو هيانتو، رئيس جمهورية الصين الشعبية يمشي بهدوء...». ويؤكد المؤلف أن ما أثار انتباهه هو أن عدد رجال الأمن الصينيين كان أكثر بثلاث أو أربع مرات من رجال الأمن الأميركيين. و«كما لو أن الرئيس الصيني أهم من الرئيس الأميركي»، كما نقرأ.

الأمر الثاني الذي أثار انتباه المؤلف، كما يشير، هو أنه من طبيعته شكلية «برتوكولية»، ذلك أن باراك اوباما هو الذي خرج أولا من القاعة، و«كما لو أن صاحب الدعوة ومالك المكان هو بالأحرى الصين».

وهذا يجد المؤلف تفسيره في القول إن الصين تنظر إلى الرئيس الأميركي أنه مجرّد «مدين» وبالتالي يمكن التصرف معه بشيء من اللامبالاة، إذ لم يكن أكثر من ذلك.

وتحت عنوان «نهاية العالم غدا»؟ يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الولايات المتحدة تقوم منذ عام ‬1971 بـ«طباعة» أوراق مالية، دولارات، اعتمادا على لا شيء». ويضيف «ونحن جميعا، أوربيون وآسيويون وأفارقة وروس ويابانيون اتّبعنا نفس الطريق.

ويؤكد أيضا أنه في يوم ‬15 اغسطس-آب من تلك السنة بالتحديد دفن الرئيس نيكسون مباشرة على شاشة التلفزيون حقيقة وطموح بروتن وود». ذلك أنه بعد هزيمة الحرب الفيتنامية وأعبائها المالية «توقفت إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب». لقد جرى «تعويمه» كبقية العملات الصعبة.