جان جينيه هو أحد عمالقة الأدب الفرنسي في القرن العشرين، عُرف بمواقفه المؤيدة لقضايا التحرر في العالم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية و«الفهود السود» الأميركيون. إن سيرة حياته تشكل اليوم موضوع كتاب للروائي المغربي الطاهر بن جلون تحت عنوان: «جان جينيه، الكاذب الشامخ».
إن بن جلون يقدم في هذا العمل حصيلة لقاءات استمرت 12 سنة بينه وبين جان جينيه. ويجد القارئ فيها كماً كبيراً من الحكايات ومن مضمون الأحاديث الطويلة التي دارت بين الأديبين، وكذلك من الذكريات العديدة. هذا كله يلقي أضواء جديدة على جان جينيه، الكاتب «غير المفهوم جيدا» كما يقول بن جلون والذي عرف سيرة حياة «زاخرة بالأسرار».
من المشهور عن جان جينيه أنه عاش حياة تشرّد حقيقي وكان ذلك خيارا «واعيا» لديه. لقد عرف في سنوات طفولته وشبابه الأولى مهنة اللصوصية بدافع الحاجة. وكان حقده كبيرا على المجتمع «البورجوازي» الذي لم يتردد أحد أبنائه في أن يصف «جينيه» بأنه «لقيط». كان ذلك على صفوف الدراسة الابتدائية ولم تغادر تلك المهانة أبدا وعي الكاتب.
ويصف الطاهر بن جلون بداية لقائه الأول مع ذلك «الكاتب واللص الأسطوري». ويشير أنه ذهب لذلك اللقاء وهو يتملّكه الإحساس أنه لا شيء يجمع بينه وبين ذلك الذي لم يكن يمتلك أي عنوان ثابت - سوى عنوان دار النشر التي كانت تصدر أعماله عنها-، ولم يكن يمتلك رقم هاتف، ولا حسابا مصرفيا. هذا بالإضافة إلى أنه كان قد قطع الجسور «آنذاك مع مشاهير عصره من أعلام الأدب والفكر من أمثال جان بول سارتر والبير كامو وغيرهما.
كان هواه آنذاك هو دعم النضالات الثورية مثل تلك التي كان يخوضها الجيش الأحمر الياباني والفهود السود الأميركيون وأبناء القضية الفلسطينية حتى النهاية. وجان جينيه هو صاحب أحد أهم وأجمل النصوص الشهادات عن معركة صبرا وشاتيلا.
هذه السمات كلها يتحدث عنها الطاهر بن جلون في كتابه من خلال معرفة قريبة مع جان جينيه طيلة عقد من الزمن. ومن السمات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف هو أن صديقه كان واضحا وصريحا ويعطي الكثير حيال شتى المواضيع «سوى عن نفسه». ثمّ لم يكن من السهل التعرّف عليه بدقة من خلال ما يقوله. لقد كان «ينجو من كل أشكال الرقابة» ومن ترك نفسه قابلا للحصار في زاوية ضيقة.
ولم يكن من السهل أن يكسب الإنسان صداقة جان جينيه. ذلك أن الصداقة نفسها كانت «سلعة نادرة في مخزنه الشخصي». إنها موجودة بالنسبة له كي يقوم بـ«خيانات جميلة». يقول «كان علي أن أبذل جهدا كبيرا كي أخون أصدقائي». ذلك على خلفية تأكيد المؤلف أن «الشك» كان ينهش جينيه رغم ما كان يعلنه من التزامات نضالية كانت «تنهكه وتنهك غالبا من يتحدثون إليه». وينقل عنه المؤلف في هذا السياق قوله: «أولئك الذين أدعمهم جميلون. وذلك ليس لكون أنهم جميلون في المطلق، ولكن لأنني أدعمهم هم بالضرورة جميلون».
ويروي بن جلون أنه نقل ذات مرّة ما قاله الناقد الأدبي انجيلو رينالدي عن روايات جينيه «التي تفوح منها رائحة العفن. وأجاب جينيه: «ما يقوله صحيح، هذا نقد ذكي، بالطبع شاخت رواياتي. ومن الطبيعي قول هذا وكتابته». كذلك ينقل المؤلف آراء جينيه في المسرح والشعر والفن والسياسة والعالم.. وأشياء أخرى كثيرة.
ويؤكد بن جللون نقطة أساسية في شخصية جينيه هي أنه «لم يكن يحب نفسه لكنه كان يحترم شخصه». هذا على عكس الكثير من الأدباء والكتاب الذين «يعشقون أنفسهم» لكن «لا يحترمون شخصهم». وكان جينيه يؤكد القول: «لا لمقبرة العظماء ونعم للتدمير الكامل».
إن الملامح الأساسية التي يقدمها الطاهر بن جلون لجان جينيه هي أنه كان «رجلا شريفا على طريقته. وهذا الرأي هو حصيلة 12 سنة من المعرفة التي استمرت منذ 1974 وحتى وفاة جينيه عام 1986.
ويصف علاقته معه طيلة تلك المدة بأنها كانت تعبيرا عن «صداقة متطلّبة، متقطّعة، قريبة وفيها الكثير من المناطق الظليلة بالوقت نفسه». ويؤكد بن جلون أنه كان يحس نفسه دائما قريبا من جينيه وبعيدا عنه بالوقت نفسه.
وهناك جانب هام في هذه السيرة هو أن الطاهر بن جلون، وفيما هو أبعد من تكريم الكاتب للكاتب رغم ما كان ببعدهما من مفارقات، يقدّم أيضا صورة لما كانت عليه الحياة الفكرية الفرنسية خلال سنوات السبعينات والثمانينات، ولعلاقات فرنسا مع المغرب.
الكتاب: جان جينيه، كاذب شامخ
تأليف: الطاهر بن جلون
الناشر: غاليمار ــ باريس 2010
الصفحات: 210 صفحات
القطع: المتوسط
