آدم سميث هو أحد أشهر الاقتصاديين في كل العصور والباحث نيكولا فيليبسون، الأخصائي بعصر التنوير الاسكتلندي، يقدّم كتابا عنه تحت عنوان «آدم سميث :حياة مشعّة» حيث يؤكّد على البعد «التنويري» في أفكار الاقتصادي الكبير ويعتبره «مؤسس الاقتصاد الحديث».
أما السمة الأساسية التي يتم التركيز عليها في عمل آدم سميث فهي لا تتمثل حصرا في «تفرّد» عمله وما قدّمه من تجديد، لكن بالأحرى في «توليف» جميع الأفكار الاقتصادية الهامة في عصره وصياغته منها «منظومة شاملة متناسقة». وتأكيد فيليبسون أن الذين سبقوه قدّموا أفكارا خلاّقا وهو يعيدها لهم بمرجعياتها الدقيقة بحيث يضم كتاب «ثروة الأمم» ما يزيد عن مائة مفكّر جرت الاستفادة من تحليلاتهم. ويشير أيضا إلى أن سميث قام بـ«تصويب» العديد من «الأخطاء» التي ارتكبها سابقوه وعمّق أفكارهم وربط بينها. وقد أكّد سميث على مبدأ أساسي مفاده أن ما هو حكيم بالنسبة لربّ العائلة لا يمكن أن يكون جنونا في عملية إدارة إمبراطورية.
إن نيكولا فيليبسون يحاول في هذا الكتاب تقديم الخطوط العريضة للمسار الفكري الذي ساهم في تكوين أحد أكبر المفكرين في عصره: هذا مع تأكيده القول «أنا لست اقتصاديا ولست فيلسوفا، أنا مراقب». ومن موقع «المراقب» يحدد المؤلف القول إن آدم سميث كان بالأحرى «إنسان ينتمي إلى عصره» وليس «اقتصاديا في القرن الحادي والعشرين ومقولاته عن حرية السوق».
والإشارة أن سميث لم يكن يعتبر نفسه رجل اقتصاد يمكن الرجوع إليه في كل شيء ولكن كإنسان حاول التأقلم مع ولادة العالم «الحديث» وأن يستخلص من هذا العالم «علما إنسانيا» بالدرجة الأولى قد يمكنه أن يشرح كيف يمكن للأفراد والمجتمعات والحكومات أن تصل إلى درجة من «الانسجام» فيما بينها. ولم يكن مثل ذلك المشروع بعيدا عن الأفكار التي كان قد قال بها صديقه الفيلسوف الشهير دافيد هيوم.
آدم سميث من مواليد بلدة كيركالدي الاسكوتلندية عام 1723. كان والده موظفا في إدارة الجمارك، لكنه لم يره أبدا إذا توفي قبل ولادته. درس في مدرسة البلدة أولا ثم التحق في جامعة غلاسغو عندما كان عمره 14 سنة فقط.
ثم تابع مساره الدراسي في جامعة اكسفورد قبل العودة من جديد إلى جامعة غلاسغو كأستاذ هذه المرة. تولّى بعدها مهمة «الوصي الشخصي» على الدوق الشاب لمقاطعة «بيكلوش» حيث سافر معه إلى أوروبا والتقى أثناءها بالعديد من «مفكري التنوير» الفرنسيين.
ويشير المؤلف إلى الأثر الكبير الذي مارسته الأمكنة التي عاش فيها آدم سميث على فكره لاحقا. وخاصة بلدة كيركادلي التي تحوّلت، أثناء حياته فيها، من بلدة صغيرة إلى مدينة مزدهرة بصناعة النسيج، وغلاسغو، التي كانت قد تحوّلت هي الأخرى في القرن الثامن عشر بفضل ازدهار الصناعة والتجارة. ويشرح المؤلف أن تلك الأجواء والتي عاش فيها سميث وجدت مكانها في كتابه الشهير «ثروة الأمم». ذلك على خلفية قناعة عميقة أن «العناصر المكوّنة للثروة لا تكمن في الزراعة أو في الذهب المكتنز ولكن في العمل».
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في وصف «ثروة الأمم» أنه الصرح الأكثر استدامة في الثقافة الفكرية لعصر التنوير الاسكوتلندي. ويرد المؤلف في هذا السياق على أولئك الذين كرروا القول إن كتاب «ثروة الأمم» لا يأتي بجديد أو بفريد بالقول: «يقول البعض إنه لا يوجد أي شيء متفرّد حقيقة لدى سميث. لكن هناك واقع أنه وضع كل شيء في مكانه بطريقة طرح فيها الأسئلة حول الاقتصاد وكذلك أسئلة حول موضوع الحكومة وما ينبغي عليها أن تفعل. إن سميث كان بانيا لمنظومة».
ويشير المؤلف إلى أن سميث قد وهب حياته كلها للعمل. وكان قد أنجز قسما كبيرا من أعماله في منزله الهادئ ببلدة كيركالدي، بعيدا عن ضوضاء المدينة. لكن إنتاج سميث تضاءل في السنوات الأخيرة من حياته عندما كان يعيش في مدينة ادينبورغ ويستقبل أفواجا من الزائرين والمعجبين الذين كانوا يتوافدون إليه. إنه لم يتزوج أبدا طيلة حياته وقد عاش دائما مع أمّه حتى وفاتها وهي في التسعين من العمر. لقد كانت امرأة قوية وحاسمة، «تنينا»، كما يقول المؤلف.
ولا يتردد نيكولا فيليبسون في القول أن تلك «اللامبالاة» التي أظهرها آدم سميث حول مسائل الحياة واهتمامات البشر العاديين وعزوفه عن السعي لكل ما يتعلق بالشهرة حيث أنه ليس له أية صورة، سوى «رسما كاريكاتوريا» لـ«جون كاي»، وهي أمور تشكل جزءً من «أسطورة سميث».
الكتاب: آدم سميث: حياة مشعّة
تأليف: نيكولا فيليبسون
الناشر: آلن لين لندن 2010
الصفحات: 683 صفحة القطع : المتوسط
Adam Smith : an enlightened life
Nicholas Phillipson
Allen Lane - London- 2010
368p.
