يستهل الباحث، د. عبد العزيز صالح، محاور دراسة كتابه، بتبيان حقيقة أنه تعددت الآراء في تفسير معنى كلمة «عرب»، فمن التفسيرات من ينسبها إلى «يعرب بن قحطان»، ولفظة «عربة» وهي احدى أسماء مكة التي نشأ فيها إسماعيل عليه السلام. ومن كلمة «عرابة» وهي تعني الأرض الجافة في اللغة العبرية. كما استخدمتها اللغة المسمارية العراقية القديمة على شكل «أربي» أو «أربيي» أو «أريبو»، بمعنى العربي والعرب والعربية منذ القرن التاسع ق.م. كما تنوعت مصادر البحث في التاريخ القديم للمنطقة من خلال المصادر المتعددة، مثل: الآثار المادية الباقية، والنصوص القديمة (أرامية- عربية- مسمارية)، ومصادر التوراة، وكتابات الرحالة والمؤرخين، وآيات القرآن الكريم، ومؤلفات المؤرخين المسلمين من الذين استعانوا بالقصص العربية والأشعار الجاهلية وسلاسل الأنساب المروية.ويوضح المؤلف انه تعاقبت على مناطق شبه الجزيرة العربية ومناطق العروض الوسطى في الشرق الأدنى، عصور مطيرة طويلة، وعصور جفاف عنيفة طويلة أيضاً (وذلك مقابل ما شهدته مناطق العروض العليا في أوروبا من عصور تقدم فيها الجليد وتراجع في ما بعد). وأثرت خصائص هذه العصور في تكوينات الأودية الكبيرة التي يجري تعقبها الآن في الخليج العربي، وبعضها ناحية البحر الأحمر، ويضيع مخططها في قلب الصحراء، مثل: وديان حضرموت والرمة وبيجان والحمض. وكلما كانت الأمطار غزيرة شقت الوديان الصحاري في فترات طويلة قديمة. وبفضل تطور العلاقات البشرية ونمو المجتمعات والعلاقات التجارية، ظهرت دول وإمارات على فترات مختلفة في مناطق متفرقة من شبه الجزيرة. فتميزت في الجنوب منها خمس دول هي: سبأ وقتبان ومعين وحضرموت وأوسان. كما ظهرت في المناطق الشمالية والغربية والوسطى من شبه الجزيرة، آثار وتوالي بعض الإمارات، مثل: مدين وعاد وثمود. وممالك مثل: دومة وقيدار ولحبان والأنباط وقحطان. كما ازدهرت مكة ويثرب، وانتعشت موانئ الشعبية والحوراء وأملج، على البحر الأحمر، ودلمون وماجان وملوخا، على الخليج العربي.
ويقسم المؤلف تطور الكتابة والخط في شبه الجزيرة قديماً، إلى مجموعتين كبيرتين: الأولى، وشاعت فيها كتابة المسند، واستخدمتها الممالك العربية الجنوبية المتحضرة بعد أن تحورت أشكالها وأحرفها لتتماشى مع مدى إتقانهم لمخارج الألفاظ. وبالتالي خرجوا منها بخطوط إقليمية مثل: الخط اللحياني، والثمودي، والصفوي. والثانية، اعتمدت أساساً على قواعد الكتابة الآرامية، واستخدمتها الدول والإمارات العربية الشمالية، واشتق منها كتبة الحجاز الخط العربي الصريح من الخط النبطي، في الأجيال القديمة التي سبقت ظهور الإسلام، خاصة في مكة ويثرب.
ثم يستعرض المؤلف، وعلى أساس التقسيم الجغرافي، نشأة الدول والممالك والإمارات في الجزيرة العربية. ويتناول نشأة أهم هذه الدول في شبه الجزيرة قديماً، فيستعرض نشأة دولة «سبأ»، والتي يرى فيها الدكتور صالح خصوصية دينية كبيرة لذكرها في مصادر دينية مختلفة، وتطورها الاقتصادي، ونشاطها السياسي، وما تركته حضارتها من آثار مادية باقية حتى الآن. واصطبغت سلطة حكام سبأ قديماً بسلطة دينية ثيوقراطية، وسميت فترة حكمهم بحكم «المكاربيين» أو «المكاربة»، وتأسس حكمهم على يد «يثع أمر» السبئي الذي ذكره نص سرجون الثاني، ملك آشور في عام 715 ق.م. ويعد أهم إنجازات عصر المكاربة على المستوى المعماري سد مأرب الذي استكمل بناؤه في عهد المكرب «يثع أمر بين» ابن حفيد «سمهو عالي ينوف»، في حوالي 460 ق.م، لتوفير المياة من وادي «أدنة». وعلى مختلف العصور في دولة سبأ قام المكاربة بصيانة وترميم السد. وكان آخر إصلاحات السد في عهد أبرهة ملك سبأ عام 542م.
الكتاب: تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة
تأليف: د. عبد العزيز صالح
الناشر: مكتبة الأنجلو مصرية 2010
الصفحات: 257 صفحة
القطع: الكبير
