«امتحان مواجهة الشمولية» هو الكتاب الأخير من ثلاثية قدمها المؤرخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه تحت عنوان: «حلول الديمقراطية» والتي تتعرّض للتاريخ السياسي الأوروبي.

وبعد أن ناقش المؤلف في كتابه السابق «أزمة اللبرالية» خلال سنوات 1880-1914، يتعرض في هذا الكتاب الجديد لما يمكن اعتباره «أزمة النظام الشمولي، التوتاليتاري» التي قادت في أوروبا إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى. ويحاول أن يبيّن «دلالة» هذا النظام الشمولي في تاريخ الديمقراطية. ويؤكد أن الأنظمة الشمولية لا تكتفي بمحاربة الديمقراطيات «البرجوازية»، بل إنها تضعها أمام تحدٍ كبير عليها أن تواجهه.الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف هي التأريخ لظهور الفكر الشمولي في أوروبا منذ «فترته الجنينية» التي قامت اعتبارا من عام 1900 عبر ولادة «إيديولوجيات من نوع جديد» ربطت بين مفهومي «الثورة» و«الأمة» وتحوّلت على أرض الواقع إلى نوع من «العقيدة الدنيوية» بعيدا عن الأطروحات الكنسية.

إن مارسيل غوشيه يحدد في كتابه ثلاثة أنماط من الشمولية عرفتها أوروبا ويقوم بدراستها على مدى صفحاته. هذه الأنماط مثّلتها البلشفية التي تجسّدت في روسيا والفاشية التي كان حكم موسوليني في إيطاليا أشهر رموزها والنازية التي دفعت هتلر إلى رأس السلطة في ألمانيا. ويتم التركيز في تحليل كل نمط من هذه الأنماط على شرح «الدينامية» التي يتأسس عليها بحيث يمكن في نفس الإطار إظهار نقاط تشابهها وتناقضاتها الجوهرية.

وفي محصلة تحليل التجارب الشمولية الأوروبية يوضح المؤلف آثارها على الديمقراطية، بل ما أثارته واقعيا من تحولات فيها. ويؤكد أن الإصلاحات السياسية والاجتماعية الكبرى التي عرفتها القارة القديمة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 تأخذ معانيها ودلالاتها العميقة من حيث أنها كانت بمثابة إجابات على التحدي الشمولي، التوتاليتاري.

هذا وصولا إلى اعتبار أن الديمقراطية الليبرالية، بالصيغة السائدة اليوم في أوروبا هي في عمقها نتاج الجهود المبذولة من أجل التغلّب على نقاط ضعفها التي كانت تتغذى منها الأنظمة الشمولية تحديدا.

تتم الإشارة إلى اختلاف التقييمات فيما يخص تحديد هوية النظام الشمولي و«مقوماته». هكذا مثلا لم يكن بعض المحللين يرون في الفاشية الإيطالية نظاما شموليا. المعيار المعتمد في تحديد هوية الأنظمة هو«درجة القمع» و«العنف» الممارس حيال جماهير الشعب.

ويحدد المؤلف في هذا الإطار القول ان الفرق الأساسي بين الأنظمة الاستبدادية والأنظمة الشمولية «بالمعنى الدقيق للكلمة»، هي أن هذه الأخيرة تتميز بامتلاكها لمشروع «ثوري» وتسعى بشكل واضح إلى تعبئة الجماهير حول «إيديولوجية» معينة تريد جذب أكبر عدد ممكن إلى معترك خدمة الأهداف السياسية لهذه الإيديولوجية.

ويحدد المؤلف القول ان الأنظمة الشمولية المعنية في السياق الأوروبي أرادت تقديم إجابات «نهائية» على ما بدا الإعلان عن فشل المجتمعات اللبرالية. ويتم التأكيد هنا أن «الموجة الشمولية» كبرت جدا في أوروبا على خلفية الأزمة التي كانت تعيشها «الديمقراطيات» القائمة على التمثيل، خاصة فقدان الثقة بالنظام البرلماني وبالطبقة السياسية. وجاءت الحرب العالمية الأولى ثم الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي اندلعت في أوروبا والعالم عام 1929 لتزيد من أزمة فقدان الثقة بالقيادات الحاكمة.

النتيجة «النهائية» التي يصل إليها المؤلف يمكن تلخيصها بقوله ان الديمقراطية غدت «أفقا لا يمكن تجاوزه» في أوروبا. هذا على الرغم من وجود أزمة كبيرة اليوم يمكن تشبيهها بتلك التي واجهتها الليبرالية في نهاية القرن التاسع عشر وقادت إلى الشمولية.

لكن أزمة اليوم مختلفة فأوروبا تعيش اليوم لحظة استثنائية تتسم ب«غياب الحروب»، بل إن مدلول الحرب ك«وسيلة سياسية» هو بطريق الزوال، وبالتالي الديمقراطية ليست في خطر.

الكتاب: امتحان مواجهة الشمولية

تأليف: مارسيل غوشيه

الناشر: غاليمار باريس 2010

الصفحات: 661 صفحة

القطع: المتوسط

A l'épreuve des totalitarismes

Marcel Gauchet

Gallimard - Paris 2010

661p.