(أنا كالجذور، إن ظهرت جفت، أو كالطلاء الخلفي الذي يحول الزجاج إلى مرآة). قول للأديب والباحث السوري سمير طحان الذي يعتبر من رموز وأعلام الثقافة العربية، وموثقي التراث والأدب الشفوي في سوريا.
يعد طحان مثالا ونموذجا للأديب والمثقف العربي الذي يتفاعل مع مجتمعه، ويحرص على تراث وتاريخ وطنه ساعيا إلى تطوير قدراته ومهاراته، وهو يرى في المصائب والعوائق دوافع تحد للنفس والإبداع، بموازاة التفاعل الدائم مع محيطه، وذلك في إطار رؤية إنسانية شاملة. يكفي القول إن المحنة التي واجهت هذا الباحث والأديب في أول شبابه، بفقده لكفيه من الرسغ، وأيضا بصره، إثر انفجار لغم خلال حرب الاستنزاف في منطقة الجولان بسوريا في عام 1970، زادته إصراراً على تجاوز نفسه وتقديم أقصى إمكاناته على صعيد المعرفة والتراث الشفوي.
متى تبلور اهتمامك بالأدب؟
نشأت في أسرة محبة للثقافة، وتشكل وعيي على الحوارات والنقاشات التي كانت تدور مع عمي الذي كان يعد لشهادة الليسانس في تخصص الأدب الفرنسي، وكذلك مع عمتي في دار المعلمات. ومن نقاشاتهم التقطت التراث الشفوي الذي يمتد كخيط الحرير بين الماضي والحاضر.
أذكر أنني، منذ كنت في الخامسة أو السادسة من عمري، اشتريت دفتر (قلاّب)، وبدأت بتدوين ما أسمعه من جدي وجدتي وجارتي، من جمل أو كلمات تثير اهتمامي. وبين السابعة والخامسة عشرة من عمري تحول اهتمامي إلى كتابة التمثيليات لنادي الحارة.
والتي كنت استلهمها من الأمثال الشعبية عن «الحماة والكنة»، وبين البخيل والكريم وغيرها. وذكرت في كتابي (مجمع العمرين) بعض الومضات من تلك المرحلة. للأسف لم يبق من تلك الدفاتر سوى 20 نصاً، وسأنشرها في كتابي القادم (ظواهر وجد ابن وجدان).
ما الذي تقوله في كتابك «مجمع العمرين»؟
مضمون الكتاب مستوحى من قصة حب نشأت بيني وبين شابة اسبانية حين كنت أتعالج في اسبانيا، وفكرته مبنية على الهدية التي قدمتها لي في عيد ميلادي الـ 25، وهي عبارة عن صندوق فيه 25 هدية رمزية، كل من هذه الهدايا مرتبطة بمرحلة عمرية هي من آفاق تلك الهدية، وابتدعت جنساً أدبياً جديداً وحراً بالمطلق ضمن الكتاب، مضمنا إياه كل ما كان سيطبع من بداية كتابتي وحتى 2006، وهو يضم 600 صفحة.
12 معادلة
ما هو النهج الذي اقتديت به كرائد مجدد في اللغة العربية؟
يعد العلم أحد جذور عملي في هذا الصدد. وهو يتجلى في جميع تجاربي وكتبي التي أحول فيها الأدب إلى لغة علمية. وترجمت ذلك في كتبي: (العناصر)، (الكائنات)، (م ن أ الزمكان). وهي كتب تشكل بمجموعها ثلاثية مستقلة.
وفيها تحولت اللغة إلى معادلات علمية مبنية على سلسلة دراسات في اللسانيات، ومثال على ذلك، نسمي التثليث في تحديد الزمان (قبل، خلال، إبان أو بعد)، فإن أخذنا كلمتين أساسيتين، كالحياة أو الموت، لتطبيق المعادلة عليها، نجد التالي: الحياة قبل الحياة، الحياة خلال الحياة، الحياة بعد الحياة، الحياة قبل الموت، الحياة خلال الموت، الحياة بعد الموت، موت قبل الحياة، موت خلال الحياة، موت بعد الحياة، موت قبل الموت، موت خلال الموت، موت بعد المموت.
ونجد من خلال الـ 12 معادلة هذه، أن لا شيء في التاريخ يخرج عنها. وهي أشبه بنظرية اينشتاين الخاصة بمعادلة الطاقة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء.
متى اتخذت من التراث الشفوي والأدب مهنة لك؟
درست الفرع العلمي في المرحلة الثانوية، وقبل إنهاء دراستي للأدب الانجليزي، تطوعت في حرب (الاستنزاف) عام 1970، وتسبب انفجار لغم بفقدي لبصري ولكفيّ من الرسغين.
وخلال رحلة العلاج في اسبانيا التي استمرت ثلاثة أشهر تعلمت اللغة الاسبانية، وما سهل عليّ هذا الأمر دراستي السابقة للفرنسية واليونانية والإيطالية خلال المرحل الدراسية الابتدائية والإعدادية والثانوية.
وهناك ألفت كتاباً بالاسبانية حمل عنوان (الحج إلى التاميرا)، ويتحدث عن زيارتي لمجموعة من الكهوف في شمال اسبانيا، واسمها مشتق من الكلمة العربية (الطميره، طمر، يطمر).
وتبدأ قصة الكتاب، بهرب ولدين من المدرسة، ليكتشفا إحدى المغارات التي تزين جدرانها رسوم ونقوش قديمة. ولا يتردد الولدان في إخبار أستاذهما باكتشافهما، وسرعان ما تتوافد البعثات لدراسة تلك الرسوم التي تعود إلى ما قبل التاريخ، من عهد الإنسان القديم، لتصبح المغارة أول متحف.
والكتاب عبارة عن رحلة دائرية عبر أطوار السحر والدين والفلسفة والعلم، والتي أعرض من خلالها نظريتي الأساسية في ثالوث المشاكل الإنسانية:(الاختلاف، الألم، الموت). وكيف أن السحر طرح حلولاً لها، وكذلك الدين والفلسفة والعلم، وأخيرا العولمة، لكن هذه المشاكل لا تزال موجودة.
ولم يستطع أحد التغلب عليها. وقد حصل الكتاب على شهرة كبيرة لدى نشره في عام 1978، ولا يزال يحظى باهتمام كبير في اسبانيا. وقد أثار دهشة النقاد، خاصة على صعيد اللغة، حيث اعتمدتُ فيه على نظرية الأنساق التي اكتشفتها خلال بحثي الدائم، عن ما يغني لغتي العربية.
جنس أدبي جديد
ما هي نظريتك اللغوية في الأنساق؟
إن الأنساق ترجع باللغة أولاّ إلى جذورها، ثم تأتي إما السوابق أو الأواسط أو اللواحق. وإذا طبقنا النظرية على الحرف أو الجذر (ب)، فإن نسق ما قبل يأتي كالتالي، (أب، بب، تب، رب ...)، والنسق اللاحق (بج، بب، بت، بر..)، ونسق الأواسط يأتي بين جذرين، أي حرفين كـ ج وب، ( أجاب، جرب، جذب، جاب، جنب ...).
وتنسحب هذه النظرية على أكثر من جذرين أو ثلاثة لتطبق عليها الأنساق، والتي تساهم في إغناء التناغم أو التنافر أو توليد المعاني من الكلمات، أو بالعكس. وفي هذا الإطار نرى عمل الشاعر المعري على اللزوميات، ولزوم ما لا يلزم، وإن قدمتُ لزوميات جديدة توسعت بها، بهدف توليد المعاني وبالتالي الأفكار. وتتحول الكلمة إلى جملة، والجملة إلى نص، والنص إلى كتاب.
تحدث الكثيرون عن كتابيك (ولاويل بردى) و(هناهين قويق). فماذا عنهما؟
أول كتاب لي طبعته، كان بعنوان (ولاويل بردى)، والذي سبق طباعة الكتاب الإسباني (الحج إلى التاميرا)، وفيه كتبت صيحة المصاب الأولى بعد الحادثة، وطرحت من خلاله، جنساً أدبياً جديداً، وبحثت فيه مشكلة الفقدان، بعيداً عن التحليل ومعالجة الألم، وذلك في سياق ما كتبه الشاعر الانجليزي ولفريد أوين (1893 ؟ 1918)، في قصائده خلال الحرب العالمية الأولى، وللأسف لم يكتب له النجاة من الحرب مثلي، وهو نقل تجربته مثلي أيضا.
وقال الشاعر السوري أدونيس لدى سؤالي له عن رأيه في الكتاب: (لا أستطيع كتابة أي شيء، لأنك تكتب بدمك، ونحن نقرأ حبرا على ورق).
وفي كتابي (هناهين قويق)، انتقلت إلى مرحلة جديدة في علاقتي باللغة التي تحدث عنها النقاد كثيرا، حيث استنبطت من العامية أو الأدب الشفوي الذي يعتبر أكثر غنى من الأدب المكتوب، أشكالاً لغوية فصيحة وجديدة.
وقد عُرفت (الهنهونة) المذكورة في ألواح حضارة أوغاريت وكنعان، كأنشودة تؤلفها وتلقيها النساء فقط. ومن خلال التطرق لجفاف نهر قويق بعد أن قطعته تركيا، أخذت أعالج مشكلة النكران والجحود بالمقاربة بين الإنسان والنهر الذي أصبح بعد أن نضب ماؤه، مكبا للقمامة ومأوى للكلاب الشاردة، وذلك من خلال نظرية الأنساق.
وفي الكتاب موال كتبته كإهداء للعلاّمة خير الدين الأسدي (1900 ـ 1971)، صاحب موسوعة (حلب المقارنة):
«فأية حفنة حلمٍ كحسنةٍ لحلب بعد رعد جميلك الكميل أُسدي!
يا وليُّ الوعيِّ والوحيِّ.. يا فقيرُ الحال .. يا فقيهُ البال ..
يا خيط اللين الأبدي .. يا خير الدين الأسدي»
وأود أن الفت إلى أن حياة الأسدي هي مأساة بحد ذاتها، وتمثل الجحود والنكران، حيث عاش للآخرين ومات وحيداً، بعد أن أهدى مكتبته إلى دار الكتب الوطنية، مقابل مبلغ شهري يعيله في أواخر أيام حياته، وسرعان ما تنكرت له البلدية وحرمته من مورده الشهري الضئيل، فمات وحيداً ودفن دون أن يعرف مكان قبره. وكثيرون تنكرت لهم الحياة من الوطن الذي ضحوا بحياتهم لأجله، وكذا الزوجة والأسرة وغير ذلك.
وفي كتاب (الجنك - رواية في أغاني) جمعت الأهازيج الحلبية التي لا مثيل لها في أي تراث شفوي لمدينة في العالم، جمعتها من أغاني الأطفال التي تواكب حركتهم منذ ولادتهم وحتى خطواتهم الأولى. مثل (كبيبة كبكبناها...) لحركة اليد، و(حجي يا وهجي يا ..) لدى قدرته على تحريك عموده الفقري، ثم أغاني الحارة والمدارس والعيد، وغيرها.
مأكولات وامثولات
كيف ترجمت ثالوث المشاكل الإنسانية (الاختلاف والألم والموت) في أعمالك الأدبية؟
تناولت في أعمالي: الفقدان في كتاب (ولاويل بردى)، النكران بمختلف أوجهه في (هناهين قويق)، الخذلان في رواية جديدة بعنوان (الحالات). وهذه الأخيرة فيها توصيف أمين لمعانيها، مع فتح نوافذ الأمل للخروج من الأزمات.
رواية عنقودية!
ما مشروعاتك الحالية والمستقبلية؟
لدي تحت الطبع الآن، كتاب (الغسطرنوم)، وهو موسوعة عن ثقافة الطعام والشراب، ابتداء من حلب التي تعتبر مصب الثقافات وصولا إلى سوريا. بشكل عام. وأحيط فيه بمواسم المأكولات وعناصرها، وكذلك معاني مصطلح كلماتها والأمثال التي قيلت في كل ثمرة وفاكهة.
وأصول الأكلات التي تختلف عن مسماها الذي يثير التباساً، كالكثير من الأكلات التي تعود بأصولها إلى الشركس أو المغول، وإن كانت تحمل اسماً تركيا، إلى جانب الأكلات التي أضافها السوريون في المهجر، إلى المطبخ السوري.
واستغرق العمل على هذا الكتاب، فترة 13 عاماً، بالإضافة إلى عام كامل للتنقيح، وكان أخي المرحوم مروان، شريكي بالعمل حتى وفاته عام 2008، وكان يمثل، رحمه الله، بالنسبة لي (كحاجة الشاعر للراوي). وسيصدر الكتاب الذي يقع في 950 صفحة، من القطع المتوسط، تحت رعاية الجمعية السورية لذواقي الطعام. وكلمة الغسطرونوم مشتقة من الكلمة الانجليزية (غاسترونوم)، وتعني صفة الربط بين ثقافة البيئة وتذوق طعامها.
أما كتابي الثاني (الظواهر) فلا يزال قيد العمل، وهو رواية عنقودية أشبه بتفرعات عنقود العنب. وهذا الجنس الروائي يُعنى بالتفاصيل الهامشية التي تغيب عن مشهد الرواية التقليدية.
وما زلت أعمل على مشروع (دفتر النسوان)، وهو دفتر وهمي أجمع مواده من التراث الشفوي منذ 50 عاما، إلى جانب قاموس (الكناش) الكلاسيكي، الذي يبلغ قرابة الـ 2000 صفحة.
رشا المالح