«لماذا نقرأ»؟ هذا هو عنوان الكتاب الجديد للباحث والروائي الفرنسي شارل دانتنرغ. وكان هذا المؤلف قد فاجأ الجميع قبل أعوام عندما صدر له كتاب تحت عنوان: «ما فائدة الطائرات»؟. وعلى قاعدة سؤال «لماذا» الذي يكرره يقدم كتابه الجديد، وليفاجئ الآخرين كالعادة.
نقرأ في أحد جمل هذا الكتاب: «القراءة لا تخدم في شيء. ولهذا السبب بالتحديد تمثّل شيئا عظيما. إننا نقرأ كون أن القراءة لا تخدم في شيء». ولكن هذه الجملة تجيء مباشرة بعد كتابة المؤلف: «القراءة ليست ضد الحياة. إنها الحياة، حياة جدية، أقل عنفا وأقل تفاهة وأكثر استمرارا وأكثر (...) وهي تعرف غالبا كل نقاط ضعف الحياء والصمت. وتحافظ على لجوئها إلى الفكر في إطار هذا العالم الذي تسود فيه النزعات النفعية».
إن المؤلف يشرح الأسباب الداعية للقراءة في تسعة فصول تحمل العناوين التالية: «تعلّم القراءة» و«من القراءات» و«القراءة الأنانية» و«القراءة لا تغيّرنا» و«القراءة من أجل اللقاء مع الذات» و«إله القراءة» و«القراءة لإيجاد علاقة مع العالم» و«القراءة كإبداع من جديد» وأخيرا «القراءة كي لا نترك الجثث ترتاح بسلام».
يقول المؤلف: «لقد صادفت في حياتي عددا أقل من القارئين الكبار الذين يتحسّرون على أنهم لم يكتبوا شيئا مما صادفت من الكتّاب الصغار الذين يتحسّرون على أنهم لم يقرأوا عمليا». ويقدّم شارل دانتزغ مقال «القارئ الكبير» في جدّته لأمه التي كانت تمتلك مكتبة هامة من النسخ «المرقّمة» من الكتب والتي كانت تطلق عليها تسمية «الأوراق العظيمة». هذا خاصة أن بعض تلك الكتب كان يحمل توقيع المؤلف ذاته. «لقد وجدت ذلك رائعا وزاد حبّي لتلك السيدة التي كنت أكنّ لها أصلا حبّا كبيرا».
ويتم في هذا السياق تقديم نوع من «التصنيف» للكتّاب والمبدعين حسب علاقاتهم مع جدّاتهم أو أمهاتهم أو آبائهم أو أقاربهم. ويرى المؤلف أن جدّة مارسيل بروست كانت وراء جعله كتابا، بينما لعبت أخت غوستاف فلوبير، مؤلف «مدام بوفاري»، دورا كبيرا في مسيرة إبداعه، ودور مثيل بذلك الذي لعبه أب ستاندال أو شارل ديكنز. ومثل هذا التصنيف يجد صداه لدى جمهور القراء الذين يؤكد خاصة أنهم ليسوا بالضرورة أولئك الذين يمتلكون مكتبات. يقول «القارئ ليس بالضرورة مولعا في امتلاك مكتبة أو امتلاك مكتبة لا يجعل بالضرورة صاحبها من القارئين الكبار».
ما يؤكد عليه المؤلف هو أن القراءة تخضع لعملية «تعلّم»، ذلك على خلفية تأكيده: «أنا أقرأ مثلما أمشي، دون شك. وأنا أقرأ وأنا أمشي، ولو تعرفون كم صادفت من مفاجآت بسبب، ذلك أن أكثر من عمود في باريس سمعني وأنا أقول له: عفوا سيدي، بعد أن أكون قد ارتطمت به وأنا بصدد قراءة كتاب أو شيء آخر ماشيا».
وهنا يؤكد المؤلف أن «القراءة ليست فعلا طبيعيا، عفويا، أكثر من المشي». بل إنها قد تكون أحد أكثر الأفعال التي تتطلّب التعلّم. والناس عامة لا يتعلمون القراءة بسهولة». وإذا كان من السهولة «نسبيا» تعلّم «فك الحروف» ونطقها وممارسة القراءة في الكتب المدرسية بالنسبة للأطفال، فإن الأمر يغدو «مختلفا» عندما يتعلق بجعلها وسيلة لفهم ما يدور في العالم وفي الرؤوس.
ويتم تحديد القول أن الجانب «النبيل» للأدب هو بالتحديد ذلك الذي يتعلق بارتباطه بــ «المشاعر». ثم إن القراءة نوع من «الهوى»، ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن «هواه» الوحيد في طفولته كان القراءة إلى درجة أن أهله كانوا يطلبون منه الخروج كي «يلعب في الحديقة». يقول: «كنت ألعب أحيانا كي أدخل السرور إلى قلب والديّ».
ويحدد المؤلف «أصنافا» من دواعي القراءة التي قد تكون من أجل «تغذية» الذات، أو من أجل المتعة أو ربما حبا بالآخرين أو حقدا عليهم على غرار قراءات الكتّاب الذين تأكلهم الغيرة من زملائهم أو النقاد الذين تأكلهم الغيرة من كل البشر». تتم الإشارة في هذا السياق إلى صنف من القرّاء الذين يمارسون القراءة على غرار متسابقي الدراجات عندما «يصعدون نحو القمة بصعوبة وهم يرددون بداخلهم أن النصف الآخر من الطريق سيكون أكثر سهولة (...). مثل القارئ الذي يردد لنفسه لم يبق سوى 60 صفحة، ,,59.»
وفي معرض الحديث عن العلاقة بين الكاتب والقارئ، يرى المؤلف أن هذا الأخير «يجد شاطئ السلام» إذا حفظ قارئ إحدى جمله، «جملة واحدة يمكنها أن تدفعه لإعادة القراءة مرة أخرى». هكذا تستطيع بعض الجمل المكتوبة في لحظة من التأمل المبدع أن تصبح بمثابة «حكمة» رددها البشر جيلا بعد جيل.
ومن طبيعة القراءة وحتى لو قمت في ظروف مختلفة، وفي عزلة قامة أو «على الشاطئ»، أنها تُدخل صاحبها في عام «آخر»، «القراءة هي مصباح يطفئ عندما يضيء كل ما هو محيط فيه، كما يكتب المؤلف. لكن القراءة المقصودة في الآراء المطروحة بهذا الكتاب هي تلك «تحرّك المشاعر» و«تخاطب العقل» وليس «الإشارة» عبر قراءة الصحف على غرار مشاهدي المباريات الرياضية على شاشة التلفزيون.
لماذا نقرأ؟ لكون أن القراءة هي «أخت للإبداع الأدبي»، والاثنان يخوضان باستمرار معركة ضد الزمن الذي يمضي. وفي المحصلة دعوة وحافز لــ «القراءة».
الكتاب: لماذا نقرأ؟
تأليف: شارل دانتزغ
الناشر: غراسيه
باريس 2010
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Pourquoi lire ?
Charles Dantzig
Grasset -Paris 2010
356p.