يناقش المؤلف، في كتابه، موضوعة «الافروعروبية: أو تحالف الهاربين»، والتي ربما كان لها الفضل في تقريب وإشاعة الكثير من رؤى «الغابة والصحراء» في مسألة الهوية السودانية، وتمثل محاور عرضه في بعض المحطات، محاولة دحض أفكار جماعة «الغابة والصحراء» الداعية إلى الاعتراف بالهجنة، ورأى فيها «محاولة» يائسة للهروب من «مقدسات المجتمع السوداني، إلى مجتمع إفريقي بلا خلق ولا أخلاق». ويبدو أيضاً أن المكي استشعر ضآلة المعلومات حول تجربتهم، أو التباسها. ولعله كان ينتظر، طيلة السنوات الماضية، أن تحل هذه اللحظة الماثلة على المشهد السياسي والثقافي السوداني ـ والتي يصح فيها القول «ما أشبه الليلة بالبارحة»، كي يخرج ما كتمه طويلاً، وليرد إلى «حركتهم» اعتبارها؛ فالحال التي تعيشها البلاد حالياً شبيهة بتلك التي ألهمت بـ«الغابة والصحراء»، في ستينات القرن الماضي! وكانت مطالع الستينات شهدت طوراً متقدماً من تلك الحرب «التي تدير الرأس»، بين شمال وجنوب السودان، بحيث بدا لجماعة الغابة والصحراء أن: الاعتراف بالهجنة العرقية يتكفل بتحقيق التقارب المطلوب بين مكونات البلاد الاثنية، ويلغي الحرب التي كانت تخاض، على اعتبار أنها حرب العرب على الأفارقة»!

ويدلل المكي على انه، وإن كان الأمر كذلك وقتها، فإن مطلع العام ‬2011 سيشهد استفتاء سكان جنوب السودان على خياري الوحدة مع الشمال أو الانفصال عنه، وهو أمر لا يقل هولاً على الافروعروبيين بالطبع؛ وذلك ما يبدو في القطعة النثرية التي اختار المكي ان يقدم بها كتابه:

«لا نقول لا لعروبتنا، ولا لافريقيتنا

نقبل الاثنين معا

ليس كمخادعة..

وإنما لوجه الحقيقة ووفاء بحق أعراقنا المختلطة التي لا نرى فيها ما يشين.

وإذا شاء الجنوب ان يتخلى عنا فإننا سنظل نواجه العالم بأفروعروبتنا..

ثقافة عربية ودم افريقي»

ويتحدث المكي عن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي دعتهم، هو والشعراء النور عثمان أبكر ‬1938\‬2009

ومحمد عبد الحي ‬1944\‬1989 ويوسف عيدابي...، إلى طرح رؤيتهم «الافروعروبية»، وفي مقدمها تلك الحرب، مؤكداً أن الغابة والصحراء لم تكن معادلة جبرية أو نموذجاً اقتصادياً «وإنما كانت اعترافاً بالغ البساطة بحقيقة متناهية الوضوح، هي الهجنة العرقية للسودان الأوسط ووقوعه في منطقة التنازع بين ثقافة عربية ودم افريقي»!

ويقف المكي عند بعض الانتقادات التي وجهت إليهم، مبيناً أن فيها الشخصي والموضوعي، ويخص ورقة «الافروعروبية: أو تحالف الهاربين» لعبدالله ابراهيم، بوقفته الأطول؛ وهنا يبدأ أولاً بنفي ما قاله ابراهيم عن تأثرهم بقراءاتهم للمستشرقين، ثم يشدد على عدم تبعية «الغابة والصحراء» لـ «حركة الزنوجة» أو الشاعر السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور، وفي سبيله لتأكيد ذلك يستعرض المشهد الاجتماعي لسودان الستينات وما شهده من انقسام حاد بين الثقافة العربية والانتماء الافريقي: «السودانيون ذوو الأصول العربية لم يروا في الاثنية حائلاً يحول دون اصطفافهم مع الجانب العربي..» وبالمقابل: «ذهب الكثيرون إلى التشكيك في واقعة الانتماء العربي للسودانيين على الإطلاق وهو أمر لا يحتمل الإطلاق».

وفي الأقسام التالية من الكتاب، يجمع المكي ذكر بعض الوقائع التاريخية التي رافقت نشوء تيارهم «أو التاريخ الشخصي للغابة والصحراء»، مع نظرات له حول «دور الثقافة في الهوية» و«علاقة اللغة والدين بالهوية» و«ثقافة السودان المعاصر». ليبدو وكأنه يحاول إكمال ما نقص، لسبب أو لآخر، من تجربتهم في عهدها الأول: بعدها النظري ؛ فمن المعروف ان «الغابة والصحراء» عُرفت بما قالته النصوص الشعرية لروادها غالباً، وليس بما قالته مقالاتهم النظرية؛ فهي شحيحة، كما انها نشرت بمنابر لم تعطها ما تستحقه من انتشار؛ باستثناء ذلك السجال الذي شهدته صحيفة الصحافة بين الشاعرين النور عثمان أبكر وصلاح احمد إبراهيم ‬1933\‬1993، حين نشر الأول مقالته «لست عربياً ولكن..»، فرد الثاني بمقالة عنوانها «بل نحن عرب العرب»! ومع ذلك يرى بعضهم ان القصيدة المطولة لمحمد عبد الحي «العودة إلى سنار» هي «مانيفستو الافروعروبية»، وعلامة إنسان الغابة والصحراء الذي «يغنِّي بلسانٍ ويصلَّى بلسانٍ»، وإلى جانبها ثمة قصيدة «صحو الكلمات المنسية» للنور عثمان ابكر وقصيدة «ابو دليق» ليوسف عيدابي وقصيدة «بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت» لمحمد المكي إبراهيم.

ولا يفوت محمد المكي إبراهيم، في نهاية الكتاب، وهو يستعيد ذكرى «الغابة والصحراء»، ويرد في الوقت ذاته على منتقديها، أن ينادي بإستلهام «وعي الغابة والصحراء» مرة أخرى، عساه يسهم في «تطهيرنا من آثام حاضرنا البغيض»!

عصام أبو القاسم

الكتاب: في ذكرى الغابة

والصحراء

تأليف: محمد المكي

إبراهيم

الصفحات: ‬445 صفحة

القطع: الكبير