يبرهن مؤلف الكتاب، محمد بوبوش، بالأمثلة المستفيضة على سابقة الإسلام في مجال العلاقات الدولية، فالإسلام يعترف بانقسام العالم إلى كيانات سياسية متفرقة، فمع تقدم الإسلام السياسي وانتصاراته وتأسيس جمهورية إيران الإسلامية، عاد الاهتمام بالإسلام وفقه علاقات الدول ببعضها البعض.

ويتميز القانون الدولي الإسلامي بخاصتين مهمتين، الأولى هي أنه جزء من القانون الداخلي للدولة الإسلامية (الشريعة الإسلامية) وبالتالي لا يتوقف قانون الدولة الداخلي على اعتراف الدول الأخرى به، كما أن عصيان القانون الإسلامي من قبل الدول الأخرى لا يسوغ للدولة الإسلامية مخالفة الشريعة. والخاصية الثانية هي أن أساس التزام الدولة الإسلامية بالقانون الدولي الإسلامي هو إرادتها ولا قواعد القوة وموازينها. والخاصية الثالثة هي أن الاجتهاد الإسلامي أبدع في فقه المعاملات بين الدول والجماعات وثمة اختلافات كثيرة بين الفقهاء حول قواعد السلم والحرب، تترك هامشاً واسعاً لصياغة «القانون الدولي الإسلامي».

ويلاحظ المؤلف مع باحثين آخرين، تشابهاً بين مواثيق الأمم المتحدة ومؤتمر لاهاي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومصادر التشريع الإسلامي، ومن المعلوم أن الإسلام دعوة عالمية وأن اهتمام الإسلام بالعلاقات الدولية واضح من حيث المبدأ. وقد سلمت محكمة العدل الدولية بمبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة والعادات الدولية المعتبرة والاتفاقات الدولية، والشرع الإسلامي بدوره يعدَ العرف والعدالة، أساساً لأدلة الفقه الفرعية، من إجماع وقياس واستحسان واستدلال ومصالح مرسلة.

ويوضح بوبوش أنه عالج الفقهاء المسلمون قواعد العلاقات الخارجية في (فقه السير) الذي يعني مسلك الدولة في المغازي، وقد أفردوا مدونات لمسائل الحرابة والعهد والأمان والصلح والغنائم والعلاقة مع أهل الذمّة والخراج والعشر وأهل البغي وأهل الردة، ووضعوا هذه القواعد منذ القرن السابع الميلادي، أي قبل نحو ألف سنة من انطلاقة القانون الدولي الحديث في أوروبا، ومن الأسماء الشهيرة في هذا المجال نجد اسم المؤرخ والفقيه محمد بن حسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة (‬804م)، والإمام الأوزاعي ويعقوب بن إبراهيم الأنصاري.

وقد تأثر العالم الإسباني «سواريز» بالفكر الإسلامي، واثر بدوره في فكر رائد القانون الدولي المحامي الهولندي «غروسيوس» الذي ألف كتاباً أهداه إلى لويس الثالث عشر. ويعتقد كثيرون أن غروسيوس تأثر بالشيباني فقد كان منفياً إلى الأستانة سنة ‬1640م. والشيباني معروف عربياً وغربياً إلى درجة أن مستشرقاً ألمانياً أسس معهداً باسم الشيباني سماه (جمعية الشيباني للقانون الدولي). ومن الأسماء الإسلامية التي اشتغلت على العلاقات الدولية، ابن تيمية صاحب كتاب «السياسة الشرعية» والسرخسي والطحاوي «كتاب المختصر». إنّ الأصل في التعامل بين الدول هو السلام، والسلام هو اسم من أسماء الله الحسنى وقد ذكر في القرآن في ‬133 أية بينما لم يرد لفظ الحرب إلا ست مرات فقط. والسلام الإسلامي له متطلبات، وأولها: الحرية المنضبطة بالعدل والمساواة والأخلاق من غير أن تكون الحرية هذه باباً للفوضى أو العدوان (الذي يشرعه هوبز في مقولته الشهيرة: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان). وكذلك يتم إقرار هذه الحرية بسياسة الأبواب المفتوحة مع الدول والاعتراف بالتعددية الثقافية والعقائدية والسياسية وإنكار القسر والإكراه، والمطلب الثاني: هو الإقرار بالمساواة الشاملة، والمطلب الثالث: هو الوفاء بالعهود والمواثيق.

ويورد المؤلف عشرات الأمثلة عن حفظ المسلمين للعهود، والتي يعرفها تعريفات معاصرة ويخرجها من جميع الأوجه، كما يذكر الأمثلة عن الدبلوماسية النبوية وحسن اختيار السفراء والرسل إلى الملوك والقياصرة والأكاسرة. ويعرض بوبوش لتطور تاريخ الدبلوماسية الإسلامية (فن السياسة الخارجية) في العصور التالية: الراشدية (استخدم عمر النساء في المفاوضات مع الروم وخصص عثمان أموالاً لاستقبال الرسل الأجانب)، وكذا الأموية والعباسية. ويعرف المؤلف الحصانة الدبلوماسية (الحرمة الشخصية) وامتيازات الدبلوماسيين من حق دخول وتجول وإقامة وعدم خضوع للتفتيش وأشكال العلاقات التجارية والثقافية، مبيناً اختلاف الفقهاء حول تسمية نظام الدارين (دار الحرب ودار الإسلام) الذي كان تخريجاً فقهياً تم اقتباسه من الرومان (المدنيين والبرابرة).

ويعرض الكتاب أمثلة قديمة ومعاصرة للهجرة من دار الإسلام وطريقة التعامل الشرعي مع العدو بالمثل. ويبين طبيعة الحرب في الإسلام وأسبابها ودوافعها في الشريعة الإسلامية، وأنواع الحرب (عادلة لرد الظلم والعدوان، وحرب نفسية، وحرب عدوانية)، مقدماً توضيحاً لمعنى الجهاد الذي شوهه الإعلام الغربي.

ويخصص الكتاب فصلاً لقواعد الحرب وشرط إعلانها وكيفية بدئها إسلامياً، وقواعد إعلان الحرب وإدارتها وتعبئتها وأخلاقياتها ومدى مشروعية وسائل العنف القاسية كالحرق والإتلاف، وتحريم الإسلام للتمثيل بالجثة والتعذيب بالنار، حتى لو فعل العدو ذلك، ومدى مشروعية الخداع والغش الحربي من تورية وتبييت وكمائن واستطراد (لا يقع الغدر ضمنها بعد منح الأمان)، وأساليب انتهاء الحرب وتوزيع الغنائم، وقوانين الأسرى وأحكامهم.

أحمد عمر

الكتاب: العلاقات الدولية

في الإسلام

تأليف: محمد بوبوش

الناشر: دار الفكر

دمشق ‬2010

الصفحات: ‬270 صفحة

القطع: الكبير