«نصف السماء»، هذا هو عنوان الكتاب الذي أعدّه الصحفيان، الزوجان، نيكولا د. كريستوف وشيريل وودون الأميركية ذات الأصل الآسيوي، الحائزان على جائزة بوليتزر الصحفية الأكبر شهرة في العالم ويقدمان فيه «تحقيقا حول نساء قاومن الاضطهاد»، كما يقول عنوانه الفرعي.«نصف السماء» هو عنوان مأخوذ من مثل صيني شائع مفاده أن «النساء يسيطرن على نصف السماء»، ولا يتردد المؤلفان في القول إن أحد العوامل الرئيسية الكامنة وراء الصعود الكبير الذي عرفته الصين خلال العقود الثلاثة الأخيرة وأصبحت قوة عالمية يُشار إليها بالبنان يتمثل في توجّه ملايين الفتيات والنسوة نحو المصانع بحيث أنهن كنّ «شرارة الثورة» في هذه البلاد.

إن المؤلفين يشرحان على مدى فصل كامل في الكتاب دور النساء الصينيات في «صعود» الصين الكبير. ويشرحان بالمقابل كيف كان لهذا الصعود نتائجه فيما يتعلق بتحسين أوضاع المرأة. هكذا تدل الأرقام المقدّمة على أن عددا متعاظما من النساء الصينيات أصبحن يتمتعن بـ «الاستقلال الذاتي الاقتصادي». كما أن نسبة ‬80 بالمائة من العاملين في مصانع منطقة «غوانغ دونغ» هي من النساء، وأن ستة نساء من أصل كل عشرة نساء بين الأكثر ثراء بجهود فردية هن من الصينيات.

لكن هذه الصورة التي تبرز مساهمة المرأة تقابلها، كما يشرح المؤلفان، صورة أخرى لمئات ملايين النساء أيضا اللواتي يعانين من شتى أنواع الاضطهاد والعنف. ويحددان منذ البداية هدفهما في هذا العمل بالقول: «نتمنّى أن تضمّوا جهودكم إلى تيار وليد يعمل من أجل تحرير المرأة ومكافحة الفقر عبر تحرير طاقات النساء باعتبارهن عناصر اقتصادية فاعلة».

ويريد المؤلفان لكتابهما هذا أن يكون بمثابة دعوة موجهة خاصة إلى الأميركيين وإلى الغربيين عامة، بحكم موقعهم الاقتصادي والسياسي الدولي، كي يأخذوا إجراءات «إيجابية» يكون منها تحسين أوضاع المرأة في العالم أجمع. وهما يعرضان أمام هذا الرأي العام الغربي وأمام الرأي العام العالمي، المشاكل الرهيبة التي تواجهها النساء في البلدان النامية.

ومن الواضح أن المؤلفين لا يقدمان تحقيقهما من خلال العناوين العريضة و«الكليشيهات» التي يتم ترديدها في وسائل الإعلام الغربية، ولكنهما يبرزان أشكال اضطهاد المرأة وقسرها على ممارسات قد لا تريدها، عبر نساء قاما بمقابلتهن فرديا وأجريا مقابلات معهن. كذلك يقدمان العديد من الإحصائيات المنشودة في تقارير هيئات مختصة في مقدمتها منظمة الأمم المتحدة. لكنهما يركّزان خاصة على المقابلات الفردية ذاك أن «أثر الإحصائيات عقلاني، بينما أن القصص الفردية هي التي تدفع البشر للتحرك»، كما يقولان.

في كل فصل من فصول هذا الكتاب يستعرض المؤلفان حالة أو بضعة حالات لنساء تعرضن للقمع والاضطهاد. ويلي هذا الاستعراض مباشرة الحديث عن شخص أو أشخاص أو هيئة أو مؤسسة يكمن عملها في محاولة الحد من التعسف الموجه للمرأة في الميدان المعني.وإذا كان مؤلفا هذا الكتاب يؤكدان على الدور الهام الذي تلعبه المنظمات الكبرى للمساعدات على الصعيد الدولي، فإنهما يركزان بالمقابل القول إنه، فضلا عن نقاط الضعف التي تعاني منها هذه المنظمات، تبقى مسألة الفاعلية أكبر من خلال «مجموعات العمل الاجتماعي الصغيرة». ذلك على أساس أنها تكون على دراية ميدانية غالبا بالمشاكل المطروحة وبالتالي قد يمكنها التصرّف حيالها بطريقة «خلاّقة» تترتب عليها غالبا نتائج إيجابية.

وينقل المؤلفان عن «امارتيا سن»، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، قوله إن «النقص» بعدد النساء في العالم يصل اليوم إلى مائة مليون امرأة. وتتم إعادة هذا النقص، جزئيا على الأقل، إلى وفاة مئات الآلاف من الفتيات قبل بلوغ سنة من العمر بسبب نقص العناية الصحية.

ومن الملفت للانتباه أن المؤلفين يكرسان الصفحات الأخيرة من كتابهما لذكر أسماء وعناوين المنظمات التي تقوم بالمساعدات الإنسانية في حقل الدفاع عن حقوق المرأة.

الكتاب: نصف السماء

تحقيق حول

نساء قاومن

الاضطهاد

تأليف: نيكولا د.

كريستوف

شيريل وودون

الناشر: كنوبف

نيويورك ‬2010

الصفحات: ‬320 صفحة

القطع: المتوسط

Half the sky

Nicholas D. Kristof, Sheryl Wudunn

Knopf - New York 2010

320p.