من المجحف حقاً مقارنة المجتمعات إذا لم تتشابه ظروفها الاقتصادية والسياسية، ولم تتقاطع طبيعة نشوئها، أو تتقارب في نظرتها إلى المستقبل، ومن المجحف أكثر أن المقارنات تجري في ظروف غير موضوعية، لذلك تبدو مقارنة الحياة العربية بالحياة الغربية غير منصفة، ليس بسبب تفوق الأولى فقط، بل بسبب طبيعة المقارنة الجائرة منذ البداية، حيث تسيطر فكرة الغرب يقرأ والعرب يعادون الكتاب، أو الغرب متحضر والعرب على نقيضهم.. وهكذا تطول القائمة وتبعد المسافة.

لا ينفك كثير من كتاب الرأي عن القول إن إسبانيا تطبع ملايين الكتب، وإن فرنسا تصدر الملايين، بينما العرب لا يطبعون ألف نسخة من أجود الكتب، وإن عدد ساعات القراءة يتزايد هناك، بينما لا يتعدى سوى بضع دقائق هنا، وكأننا ننسى طبيعة المقارنة التي تتطلب ظروفاً متشابهة، وليس مجرد أرقام توفرها شبكة الانترنت، وأن المقارنة تتم موضوعياً وليس تهكمياً وتحسراً على الماضي، وعليه لا تنصف المقارنة العرب، بل تظلمهم وتزيدهم يأساً.

عندما تصنف خمسمائة جامعة حول العالم أنها الأفضل ـ ليس بينها جامعة عربية واحدة ـ تبدو المقارنة فاشلة. لأن تاريخ التعليم والبحث العلمي في العالم يعتمد مبادئ ليست متوافرة عربياً، ولأن طرق التدريس هناك تعتمد الفلسفة والتحليل أسلوباً للتعليم، ونحن نعتمد آلية الحفظ والاستظهار غيباً، سيكون من الموجع إجراء أية مقارنة، لذلك الدارسون العرب في الجامعات الغربية ينظر إليهم نظرة تقديرية مضاعفة، في حين لا يحظى الطالب في جلمعة عربية بتلك النظرة.

من المفارقات التي يجب تسجيلها قبل الخوض في المقارنات صورة الإسلام في البوسنة مقارنة بصورة مماثلة في اليمن مثلاً، أو صورة الشوارع النظيفة في اندونيسيا مقارنة بشارع في مصر، وليس في ذلك تقليل من القيمة التاريخية للمكانين؛ فاليمن ومصر أكثر عراقة تاريخية من دول كبيرة حول العالم، لكن ظروفاً ليست صحية دفعت الأولى للتطور والثانية إلى التراجع، ولا تشفع القيمة التاريخية لأحد إذا توقفت عجلة زمنه لدى نمط معين من الحياة.

كما أن المقارنة تبدو فاشلة حين مقايسة بلد عربي ببلد مثل أفغانستان أو باكستان، وخاصة للناحية العقائدية، بينما نتساءل عن سر التطور في تركيا وهو بلد مسلم، وتتشابه ظروفه مع البلدان العربية، وعموما المقارنات يجب أن تكون ذات أرضية مشتركة؛ مثل مقارنة الأمة الألمانية مع الأمة الفرنسية، وليس مقارنة موريتانيا بإيطاليا، إن في ذلك ظلم للقطر العربي الشقيق.

hussain@albayan.ae