تعوّدت دانغ توي ترام الطبيبة الفيتنامية الشابة أن تكتب يومياتها اعتبارا من عام 1968 وحتى مقتلها في عام 1970. لقد كانت آنذاك تشرف على علاج الجرحى في مستشفى داخل معسكر بأحد أرياف بلادها. تلك اليوميات تحوّلت إلى كتاب تحت عنوان «الليلة الأخيرة، والحلم بالسلام».
مصير هذه اليوميات وقصة نشرها بدأت في العثور عليها بعد مقتل صاحبتها ثم تخزينها لدى أجهزة الاستخبارات العسكرية الأميركية مع كمّ هائل من الوثائق التي جرى جلبها من «العدو» الفيتنامي.
وحدث أن الضابط المسؤول عن تفحّصها لتقدير مدى أهمية مضمونها قد أعجبه جدا أسلوبها فلم يكن منه سوى أن أخذها إلى منزله. ولم يعرف بعد الحرب لمن ينبغي أن يسلّمها، كما لم يكن يعرف أن للطبيبة «دانغ توي ترام» أهلا في فيتنام. لكنه وجدهم أخيرا في أحد ضواحي هانوي.
ويُنقل في المقدمة أن المترجم الفيتنامي كان قد قال للعنصر الأميركي عند العثور على اليوميات: «لا تحرقوا هذه الأوراق فهي تحتوي أصلا على النار بداخلها».
وتدلّ اليوميات أن المؤلفة ـ الطبيبة كانت الابنة البكر لأسرة من ستة أطفال، وكانوا ينادونها باسمها الأول «توي». كانت والدتها تدير صيدلية ووالدها جرّاحا. لكن الأسرة لم تكن ثرية إذ «لم يكن هناك أثرياء أصلا» في فيتنام الشمالية، لكن كانت هناك الثقافة والتعليم»، كما جاء في إحدى اليوميات.
وإذا كانت المؤلفة قد نالت شهادتها في مجال العلوم الطبية فإن هناك أكثر من إشارة تدل على أنها كانت تحبّ أيضا الموسيقى وأنها كانت تعزف على آلة «الغيتار»، هذا إلى جانب إعجابها وشغفها بالموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، وكذلك بالموسيقى الشعبية الفيتنامية.
بالإضافة إلى اهتمامها بعالم الأدب عامة والشعر خاصة. وتتم الإشارة أيضا أن زملاءها في الدراسة كانوا يُظهرون الكثير من المودّة حيالها. وتقول في إحدى يومياتها أنها كانت تستمتع كثيرا وهي تسمع موسيقى «الدانوب الأزرق الجميل».
لكن القسم الأكبر من يوميات «الليلة الأخيرة وحلم السلام» تتعلق بوظيفتها كطبيبة صحة عامة في مستشفى يعمل تحت إشراف الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام المعروفة بتسمية «فييت كونغ».
وكانت تستقبل في مستشفاها الصغير الضائع في جبال وغابات منطقة كوانغ نغاي عشرات الجرحى من المناطق المجاورة المسماة آنذاك ب«مناطق حرية إطلاق النار». ذلك أن الأميركيين كانوا قد انتهجوا سياسة تقوم على السماح بإطلاق النار على أي فيتنامي يظهر أمامهم على خلفية افتراض أنه أحد الجنود الأعداء أو المتعاونين معهم. من هنا أيضا لم يكن الأميركيون يترددون في القيام بقصف جوي للمستشفيات التي لا تقع تحت سلطتهم.
تبدأ هذه اليوميات بتاريخ 8 أبريل 1968 حيث نقرأ: «لقد أجريت عملية جراحية لاستئصال زائدة بظروف مأساوية. لم يكن في حوزتي سوى بضعة زجاجات من المواد المخدّرة للألم، لكن الجندي الجريح لم يُظهر أية شكوى، بل كان يبتسم بشجاعة.
وكانت ابتسامته على وجهه المنهك قد أثرت بي كثيرا. لكن ما أحزنني حقيقة هو أنني اكتشفت أن مصدر ألمه ليس الزائدة (...). ولم أعرف السبب فأغلقت الجرح. كان قلقي كطبيبة وإعجابي بذلك الجندي الجريح وراء حرجي. وما كان منّي سوى أن مررت بيدي فوق شعري كمن يريد أن يقول: لا أستطيع إنقاذ أناس مثلك، وهذا أسف سيلازمني طيلة حياتي».
كان الأميركيون قد دخلوا «حربا خاسرة مسبقا»، كما ترى صاحبة اليوميات. وكانت المعارك شرسة وضارية تواجهت فيها قوات التدخل الأميركية بكل ما تملك من أعتدة وتجهيزات وطائرات مع شعب صمم على مجابهتها في قراه الصغيرة وسهوبه وجباله.
وإذا كانت وسائل الإعلام الأميركية المتنوّعة والسينما الهوليودية والمحاربون القدماء قد قدّموا رواياتهم عن الحرب الفيتنامية، فإن الشهادات قليلة جدا عن تلك الحرب كما رآها وعاشها الفيتناميون. ومن هنا تأتي الأهمية الاستثنائية لهذا الكتاب- اليوميات.
وتحكي المؤلفة أنها واجهت الموت مرارا أثناء عملها في مستشفى الأرياف. مثل ذلك الصباح في 22 مايو 1969 حيث «اقتربت عدة طائرات عمودية ـ هليوكبتر ـ وطائرة استطلاع صغيرة وألحّت كثيرا في بحثها مما أثار قلقي كثيرا.
وبعد أن دارت مرات ومرات قريبا من فم الأشجار اكتشفت مهجعا للمرضى، فسرعان ما دوّت أصوات الانفجار وشبّ حريق كبير بينما ملأ الدخان أرجاء المبنى. هرع الجميع إلى الملاجئ التي لم تكن تحمي كثيرا. لكن لم يكن هناك خيار آخر. وقلت لنفسي أنه من الصعب النجاة تلك المرة».
وتؤكد المؤلفة في يومياتها أنها كانت تنام كثيرا برفقة زملائها في الغابة. كان ذلك لمدة ثلاث سنوات. «كنت أستيقظ ليلا، ولا أستطيع بعدها النوم من جديد فكنت أرقب القمر في كبد السماء وأسرح مع أفكاري حيث تأخذني (...). كنت قلقة من أجل الجرحى الذين حُرموا من مكان يتداوون فيها. وذلك المستشفى الذي بذلنا الكثير من الجهود لم نستطع أبدا أن نكمله حتى النهاية (...). لم أكن قلقة من أجل نفسي فأنا متطوعة قدمت شبابي للأمة. وحتى لو قدّمت حياتي فليس هناك ما آسف عليه».
وفي يومية أخيرة تعود لتاريخ 17 يونيو 1970 تشير أنها كانت وحدها برفقة ثلاث نساء وخمسة جرحى لا يمكن نقلهم وكمية من الأرز تكفي لوجبة المساء. وكان الخروج في أي درب يحمل آلاف المخاطر. أحسّت يومها بالحاجة إلى يد أمّها. تكتب: «تعالي الآن وشدّي على يدي في لحظات الوحدة هذه. اعطني الحب والقوة كم أجل تجاوز منطقة الزوابع في هذا الطريق الذي ينفتح أمامي».
وكانت قذائف الأميركيين هي التي وصلت إليها أوّلا في تلك «الليلة الأخيرة».
الكتاب: الليلة الأخيرة، والحلم بالسلام
تأليف: دانغ توي ترام
الناشر: ريدر ـ نيويورك 2010
الصفحات: 256 صفحة
القطع : المتوسط
