تسود في العالم اليوم موجة من التحذير مما ينتظر العالم غدا من كوارث. أمام مثل هذه الذهنية المنذرة بالخطر تقدّم مجموعة من الجغرافيين بإشراف الباحثة سيلفي برونيل وجان روبير بيت، أستاذي الجغرافيا في جامعة السوربون بباريس، كتابا تحت عنوان: «السماء لن تسقط على رؤوسنا».
من المعروف منذ زمن طويل أن الجغرافيين يواجهون بكثير من التشكك والحذر، هذا إذا لم يكن المعارضة، الميل السائد في الغرب اليوم حول التأكيد أن كوارث كثيرة في مقدمتها تلك التي تهدد الطبيعة، تلوح في الأفق.
ويرى هؤلاء الجغرافيون، كما يتم التأكيد في مقدّمة الكتاب، أن مروّجي مقولات الكارثة يبنون آراءهم وتحليلاتهم بالاعتماد على مشاهدات وتوقعات مصدرها «عالم اختصاصاتهم المغلق» ولا يأخذون باعتبارهم، بل هم «يرفضون» في أن يأخذوا باعتبارهم، حقيقة أن الكون الذي يعيش فيه يتطوّر باستمرار.
وتؤكّد وجهة النظر الجغرافية أنها لا تنفي أبدا حقيقة التبدلات البيئية التي تحدت في العالم اليوم، خاصة في مجال التغيّر المناخي، ولا ينفون أيضا حقيقة أن المجتمعات الإنسانية هي أحد المسببات الرئيسية لمثل هذه التبدلات.
مثل هذه المقولات التي تتردد في الكتاب، تجد سندها، كما يؤكّد أصحابها، في مجموعة من الملاحظات «البسيطة». وليس أقلها أن عدد سكان المعمورة سوف يصل بعد فترة قريبة إلى 7 مليارات نسمة وأصبح الناس يعيشون أطول وفي ظروف حياته عامة أفضل.
إن عناوين مساهمات هذا الكتاب لها دلالتها الكبيرة على مضمونه العام. وهي تتحدث عن «سبل السيطرة على المخاطر التي تهدد البيئة» و«ما هي حقيقة التغيرات المناخية»؟ و«هل أصبحت المحيطات تفتقد إلى منظومة تضبط حركتها»؟
و«هل سوف يحتاج البشر للمياه العذبة لاحقا»؟ و«ماذا عن استثمار الغابات»؟ و«هل المعمورة مكتظّة بالسكان أكثر مما ينبغي أو هي تعاني من الشيخوخة»؟ و«تحديات التنمية»، ثم أخيرا «من أجل رؤية متفائلة للتنمية».
هذه العناوين كلها والأسئلة المطروحة فيها تجد في الواقع صداها في حالة القلق القائمة حول الحالة الحاضرة للعالم الذي نعيش فيه، وخاصة حول مستقبله. وما يتم تأكيده في جميع الحالات أن المطلوب أولا وأساسا هو الابتعاد عن الإيديولوجيات والتمسك بالبعد العلمي، كما يؤكد الجغرافيون المساهمون في الكتاب.
هؤلاء الجغرافيون يحاولون «بعث الطمأنينة» في النفوس «القلقة» حيال مصير العالم. ويتم الرد على «مروّجي» نظرية الكارثة من خلال ثلاثة محاور رئيسية. يتم التأكيد في الأول منها على أنه «ليس هناك طبيعة بدون بشر» ويؤكد الثاني «كلاّ، إن عدد سكان العالم ليس أكثر مما ينبغي» وموضوع الأخير مفاده «نعم، هناك حلول».
تركز مساهمات المحور الأول على أن الخطاب السائد اليوم هو «خطاب الخوف» وتعود جذوره إلى القرن الثامن عشر حيث تتم الإشارة أن «مالتوس» عالم الاقتصاد الإنكليزي، كان هو «أول من ارتقب مستقبلا حافلا بالتهديد».
وكانت «قمة» هذا الخطاب قد تمثّلت في مقولات «نادي روما» في سبعينات القرن الماضي، العشرين، التي تنبأت ب«مستقبل أسود» للمعمورة ولثرواتها. هكذا سادت مقولة ان العالم يعيش أزمة وأن الأزمة عالمية.
الأفكار الجوهرية على مثل هذه المقولات من قبل الجغرافيين تتمثل في القول انه لا يمكن واقعيا الحديث عن أزمة شاملة. فمثلا إذا كانت الغابات تنحسر في بعض المناطق فإنها تتجدد في مناطق أخرى. كما أن سخونة المناخ لا تعني التصحّر في كل مكان.
هذا بالإضافة إلى أن «خطاب الكارثة» قد يغيّر من مقولاته. هكذا مثلا كان الحديث السائد في سبعينات القرن الماضي هو «برودة الأرض» وليس «سخونتها» كمصدر للخطر. ونقطة أخرى يتم التأكيد عليها وهي أن «التهديدات» التي يتم التلويح بها تشكّل «أداة للسلطة»، وقد تستخدمها الأحزاب السياسية لخدمة مراميها الخاصة.
وهل عدد سكان العالم هو أكثر مما ينبغي؟
ما تدل عليه المعلومات المتوفرة والتوقعات المقدّمة هو أن عدد سكان العالم ازداد في القرن الماضي من 6,1 مليار نسمة إلى 8,6 مليارات نسمة وتقول التقديرات ان هذا العدد سوف يصل إلى 9 مليارات نسمة في أفق عام 2050.
«إن أشكال التقدم الهائلة التي حققتها البشرية في نضالها من أجل إطالة متوسط العمر»، كما يشرح جيرار فرانسوا ريمون، الأستاذ في جامعة السوربون. ويكرر كما يفعل العديد غيره من المساهمين ان مشكلة مستقبل البشرية ليس عدد السكان ولكن شيخوختهم.
لكن هل يمكن تأمين الغذاء للجميع؟ ما يتم التأكيد عليه هو أن الإنتاج الزراعي ازداد إيقاعه منذ 40 سنة أكثر من زيادة عدد السكان. وحصة الفرد غدت أكبر مما كان الأمر عليه في سنوات السبعينات المنصرمة.
لكن المشكلة هي في التوزيع. وتؤكد أكثر من مساهمة أن مساحة الأراضي الزراعية يمكن أن تتضاعف 4 مرات. وأميركا الجنوبية وإفريقيا لا تستخدمان سوى خمس أراضيهما القابلة للزراعة.
بكل الحالات «نعم هناك حلول»، تقول المساهمات الأخيرة في الكتاب. الدليل هو أن النمو الاقتصادي العالمي كبير ومئات ملايين البشر خرجوا من الفقر خلال نصف القرن الماضي. وإذا كانت مصادر الطاقة هي البترول والغاز خاصة فإن البحث يجري عن مصادر بديلة في مقدمتها الطاقة النووية.
ويؤكد الباحث جان روبير بيت، أن «صدام الحضارات» ليس قدرا. لكن «السلام» لا يمكن أن يترسخ إلا عبر التربية والمعرفة و«نزاهة النخب». ثم إن «الحضارة تولد من حب المعرفة ومن التربية». ثم نقرأ في جملة أخيرة: «إن الغد سيكون كما تصنعه الإنسانية».
الكتاب: السماء لن تسقط على رؤوسنا
تأليف: سيلفي برونيل جان روبير بيت
الناشر: جان لاتيس باريس 2010
الصفحات: 350 صفحة
القطع: المتوسط
Le ciel ne va pas nous tomber sur la tête
Sylvie Brunel، Jean-Robert Pitte
J.Lattès - Paris 2010
350p.
