نالت الصحفية الأميركية بربارا دوميك عدة جوائز عالمية عن أعمالها وتحقيقاتها. وقد نالت كوريا الشمالية اهتمامها بعد أن عملت لسنوات كمديرة لمكتب «لوس انجلوس تايمز» في العاصمة الصينية، بكين. وهي تكرّس كتابها الأخير «لا شيء يثير الحسد» لتوصيف «حقائق الحياة اليومية في كوريا الشمالية»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
إن المؤلفة استوحت عنوان كتابها، كما تقول، من أغنية تعلّمها أطفال كوريا الشمالية في المدارس وهم يرددونها باستمرار. تؤكد الأغنية على لسان هؤلاء الأطفال: «ليس هناك لدى العالم ما يثير حسدنا». وهذا ما «تترجمه» المؤلفة بالقول ان الكوريين الشماليين لم يكونوا يعرفون، حتى فترة قريبة، ما يجري خارج حدود بلادهم.
تعتمد المؤلفة في توصيفها للحياة اليومية في كوريا الشمالية على سيرة حياة ستة مواطنين «هاربين» من هذه البلاد. شاب وفتاة تربط بينهما قصة حب منذ عشر سنوات. ولكن يخشى كل منهما أن يوجّه كلمة نقد ضد النظام القائم أمام الآخر.
وفتى شاب يعيش حالة من التشرّد إذ لا يمتلك أي مأوى، وطبيبة أحاطت نفسها بعالم من المثاليات، وعامل في أحد المصانع لا يتردد بالتأكيد أنه يحب كيم ايل سونغ، الرئيس الكوري الشمالي، أكثر من أسرته، وابنة هذا العامل المتمرّدة ضد المجتمع القائم.
هؤلاء النماذج من البشر الذين ترى المؤلفة أنهم يمثلون إلى حد كبير شرائح المجتمع الكوري الشمالي يعيشون نفس الظروف في ظل النظام الشمولي، التوتاليتاري، القائم منذ سنوات طويلة. إنهم بعيدون عن كل ما يجري في العالم الخارجي.
ذلك أن جميع البرامج الإذاعية والتلفزيونية تخضع للرقابة الصارمة من قبل الحكومة القائمة، وروايات مثل «ذهب مع الريح» لمؤلفتها مرغريت ميتشل تشكل «خطرا» على العقول.
وبالتالي هي ممنوعة من التداول، وليس من غير المألوف أن يخضع الإنسان لرقابة صارمة من قبل أجهزة الشرطة السرية لمعرفة مدى «إخلاصه» للنظام القائم. وتشير المؤلفة أن كوريا الشمالية هي «البلد الوحيد في العالم الذي لا وجود لشبكات الانترنت فيه بالنسبة للمواطنين».
ومن خلال التفاصيل الصغيرة ذات الدلالات العميقة تقدم بربارا دوميل «كوريا الشمالية». هكذا نقرأ: «إذا نظرتم ليلا إلى الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية إلى الشرق الأقصى، فإنكم سوف ترون نقطة سوداء كبيرة تفتقر بشكل واضح إلى الضوء. هذه النقطة الغارقة في الظلمة هي الجمهورية الشعبية الديمقراطية الكورية».
وتقدّم المؤلفة الجوار الجغرافي لكوريا الشمالية بالقول: «إلى جانب ذلك الثقب الأسود المبهم، تتواجد كوريا الجنوبية واليابان والصين التي تمثل اليوم شعاعا من الازدهار».
ومن خلال هذا التوزيع بين الضوء والظلام تؤكد بربارا دوميك أن الأجانب عندما ينظرون إلى «الفراغ» الذي تمثله اليوم كوريا الشمالية، لا بد وأن تقفز إلى أذهانهم صورة القرى النائية في إفريقيا أو جنوب آسيا «حيث يد الحضارة والكهرباء ما تزال لم تمسّها».والحديث عن كوريا الشمالية يستدعي بصورة شبه آلية المقارنة مع كوريا الجنوبية التي نهضت بينما راوح الشماليون في مكانهم، بل تراجعوا.
وتفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين كي تشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت قد اقترحت مساعدة كوريا الشمالية في مطلع عقد التسعينات الماضي عند انهيار الحليف السوفييتي السابق.
وكان العرض هو تقديم ما تحتاجه كوريا الشمالية من مصادر الطاقة مقابل تخلّيها عن برنامجها النووي. ولكن ذلك العرض انهار عندما اتهمت إدارة جورج وولكر بوش كوريا الشمالية بالنكوص عن وعودها فيما يخص تصنيعها للسلاح النووي.
والنتيجة هي أن الكوريين الشماليين لا يستطيعون القراءة ليلا ولا مشاهدة التلفزيون. وتنقل المؤلفة قول أحد الكوريين لها بمرارة: «إننا لا يمكن أن نمتلك ثقافة دون كهرباء».
لكن بالمقابل تشير المؤلفة إلى أن حلول الظلام، بدون كهرباء، واعتبارا من الساعة السابعة مساء في فصل الشتاء، يسهّل الخروج «بلا رقابة» من المنزل. وبهذا المعنى «يمنح ظلام الحياة الخاصة قدرا هاما من هامش الحرية غير المتوفر بوجود الكهرباء. وعندما يحيط بكم الظلام تستطيعون أن تفعلوا ما تشاؤون دون الخوف من النظرات الرادعة للأهل وللجيران وللشرطة السرية».
وعلى خلفية «التناغم» القائم بين الكوريين «الشباب» والظلام تكتب المؤلفة صفحات عديدة عن العلاقات التي تجري «سرا» خوفا من رقابة الكبار والأهل وحتى الجيران مثل هذا التداخل تجده المؤلفة كنتيجة لتداخل آخر حيث قد تشارك عشر أسر في مرافق عامة واحدة. وتؤكد المؤلفة أن «إيقاع الحياة في كوريا الشمالية بطيء جدا».
ولا ينسى الكوريون الشماليون أن الولايات المتحدة كانت قد حاربتهم باسم كوريا الجنوبية خلال الحرب الكورية 1950-1953. وتشير المؤلفة أنه لا يزال هناك 40000 جندي أميركي في المنطقة. «بالنسبة لكوريا الشمالية لا تزال تتم محاكمة الأمور وكأن الحرب الكورية لم تنته أبدا»، كما نقرأ.
ولا يزال دخول الأميركيين إلى كوريا الشمالية صعبا ونادرا. وتؤكد المؤلفة أنها عندما دخلت كوريا الشمالية مع زميل صحفي آخر عام 2005 كانا دائما بصحبة «مرافقين اثنين، اسم كل منهما مستر بارك». وهناك فهمت أنها لن تستطيع الحديث مع «كوريي» الداخل وعليها أن تبحث عن «الهاربين».
الكتاب: لا شيء يثير الحسد
تأليف: بربارا دوميك
الناشر: غرانتا بوك لندن 2010
الصفحات: 314 صفحة
القطع: المتوسط
Nothing to envy
Barbara Demick
Granta Books - London- 2010
314p.
