قدّم المفكّر السياسي الفرنسي «بيير مانون» العديد من المساهمات في مجال الفلسفة السياسية ويتم النظر إليه اليوم على أنه أحد ورثة المنظّر الليبرالي الشهير ريمون آرون، وهو يقدم اليوم كتاباً جديداً تحت عنوان: «تحوّلات أنماط الحكم، دراسة حول دينامية الغرب».
الموضوع المركزي لهذا العمل هو نوع من تفسير المسار السياسي الذي عرفه الغرب خلال تاريخه. وتتمثل النظرية الأساسية التي يطرحها المؤلف في القول ان «الدولة» شكّلت المصدر الأول للتطور الغربي، ذلك أن الناس كانوا يعيشون في هذا الغرب، قبل اختراع الدولة، حسب منظومات جامدة نسبياً مؤلفة من مجموعة من الأشكال القديمة القائمة على أساس اتني أو عائلي ولا تزال هي السائدة في مناطق عديدة من العالم.
ومع ظهور صيغ التعايش داخل منظومات مدنية، بمعنى القبول بالعيش المشترك في ظل حكومة تقوم بتسيير الأمور العامة، برزت السياسة كمحرّك للحياة العامة.
وتبدّى ذلك في الغرب أولاً ب«المدينة اليونانية» التي عبّرت عنها اثينا، أو ما يسمى ب«جمهورية اثينا» ثم بالإمبراطوريات التي قامت وأخذت بعدها الكنيسة دوراً سياسياً ليجيء مفهوم «الأمة» كآخر أشكال «السياسة» في هذا الغرب.
هذا المسار التطوري السياسي للغرب يشرحه المؤلف في ثلاثة أقسام رئيسية يخص الأول منها «التجربة الفريدة للمدينة» ويتم التعرّض فيه لما يسميه المؤلف ب«الولادة الشعرية للمدينة» وللعلاقات «المدنية» فيها.
ويحمل القسم الثاني عنوان «لغز روما» ويتألف من ثلاثة فصول تخص «روما واليونانيون» ثم «روما تحت أنظار العالم الحديث» ف«عمل شيشرون». القسم الثالث والأخير موضوعه «الإمبراطورية والكنيسة والأمة» حيث يدرس المؤلف كل نموذج «موديل» من هذه النماذج من حيث مفاهيمه السياسية والكيفية التي طبع فيها التاريخ الغربي كله.
ويشرح المؤلف أن تعاقب «الأشكال السياسية» في التاريخ الغربي لم يكن مجرد تتالي زمني ولكن كان بين هذه الأشكال كلها رابطة «السبب بالنتيجة». هذا بمعنى أن كل صيغة جديدة لممارسة السياسة، أي للحكم، تولّدت من الصيغة السابقة لها بعد أن وصلت إلى آخر مدى من حيث الإمكانيات التي يمكنها أن تقدمها.
وبهذا المعنى أيضاً نشرت «المدينة»، على الشاكلة اليونانية ، أثينا - أقصى ما استطاعت من جهود وطاقات قبل أن تستنزف ذاتها في صراعات داخلية وحروب خارجية أدت إلى ولادة الإمبراطورية الغربية التي تمثلت في إمبراطورية الاسكندر الأكبر ثم الإمبراطورية الرومانية.
ويرى المؤلف أنه كما بذلت المدينة اليونانية القديمة طاقات كبيرة من أجل حل النزاعات الداخلية، فإن الغرب حاول فيما بعد أن يستعيد تلك الطاقات باستمرار. هذا مع فارق كبير بين تلك المدينة «القديمة» و«الصغيرة» وبين الإمبراطوريات التي ضمت مناطق جغرافية واسعة وأعداداً كبيرة من السكان.
لكن يتم التأكيد في هذا السياق أنه رغم الفارق من حيث الامتداد وعدد السكان، احتفظت إمبراطورية الاسكندر وكذلك الإمبراطورية الرومانية بنفس «الفكرة الفلسفية» التي قامت عليها المدينة اليونانية القديمة.
ويتم تحديد هذه الفكرة بالانتماء إلى «نفس المجموعة البشرية ذات التطلع الكوني الأشمل». لكن الإمبراطورية لم تستطع أن تحقق ذلك «التطلع» بسبب ما عرفته من تنوّع وتعدد وتضارب إلى درجة أنها بدت غير قادرة على حكم نفسها. الكنيسة اقترحت بدورها إذن أن تحقق ذلك «التطلّع الكوني» مستخدمة الخطاب العقائدي لغايات سياسية.
وعلى خلفية «إفلاس» مشروع الكنيسة السياسي على الصعيد الأوروبي والغربي تأسست الدول-الأمم. هذه الدول-الأمم يصفها المؤلف ب«الأمم الطائفية». هذا بمعنى أن كل أمة اختارت «نموذجاً مسيحياً» خاصاً بها ؟
لقد اختارت انجلترا، قبل ولوجها عصر الديمقراطية، أن تفرض البروتستانتية على ملوكها «الكاثوليك» وفرضت فرنسا الكاثوليكية على ملكها البروتستانتي.بعد تلك الفترة فقط برز مفهوم «الدولة» مع دور محدد هو تنظيم علاقات أبناء الأمة فيما بينهم. ويحدد مؤلف هذا الكتاب القول ان: «الدولة-الأمة الأوروبية تولّدت من اللقاء بين الأمة الطائفية والدولة ذات السيادة».
وما يؤكد عليه المؤلف كثيراً في تحليلاته هو أن الغرب بقي طيلة فترة مديدة من تاريخه «متردداً» من حيث الشكل السياسي الذي يتراوح بين صيغة المدينة اليونانية القديمة والإمبراطورية والكنيسة. هذا قبل أن «يعدّ» أخيراً الشكل الذي سيسمح للأوروبيين بحكم أنفسهم بطريقة عقلانية، ويقصد المؤلف بذلك «الأمة».
لكن هذه «العقلانية» السياسية «دمرت نفسها» عبر حربين عالميتين عرفهما القرن العشرون وانطلقتا من أوروبا. وها هي القارة القديمة بصدد البحث اليوم عن «نمط سياسي جديد».
الكتاب: تحوّلات أنماط الحكم، دراسة حول دينامية الغرب
تأليف: بيير مانون
الناشر: فلاماريون باريس 2010
الصفحات: 424 صفحة
القطع: المتوسط
Les métamorphoses de la cité
Pierre Manent
Flammarion - Paris 2010
424p.
