من المعروف عن الفيلسوف الفرنسي الشاب ألكسندر جوليان أنه عاش 17 سنة من حياته في إحدى المؤسسات المتخصصة بأصحاب الإعاقة الجسدية. لكنه أكد إمكانية الخروج من «الصورة» التي يرسمها الآخرون لأصحاب الإعاقة ويثبت كفاءته في فرض نفسه».

ورغم أنه أصبح موضع اهتمام وسائل الإعلام المتنوعة وتحتل أخباره صدر الصفحات الأولى في الجرائد والمجلات، فإنه يؤكد على أن المهم هو «الحياة الداخلية» وأن «يحقق الإنسان ذاته»، وهذا ما يفسره بإسهاب في كتابه الأخير «الفيلسوف بلا قناع».

إن المؤلف يحاول في هذا الكتاب الإجابة على أسئلة من نوع: كيف يمكن للإنسان أن يعيش بحرية أكثر الفرح عندما تعصف فيه الأهواء، وكيف يمكن أخذ بعض المسافة عن الآخرين دون تحطيم الذات؟

ما يحاوله ألكسندر جوليان، الذي عرف معنى الإعاقة الجسدية، هو أن يرسم نوعا من «فن العيش» بحالة تصالح مع الذات. وليس هذا فقط ولكن محاولة فهم المشاعر التي تتملّك البشر من فرح وحزن وحب وغيرة وغيرها وليس من السهل عليهم أن يسيطروا عليها.

ويجد المؤلف ـ الفيلسوف العون في «مشروعه» الرامي إلى تحقيق درجة هامة من الصفاء الذهني والنفسي لدى فلاسفة كُثر من أمثال سيفيك ومونتين وسبينوزا ونيتشه وغيرهم. وبعيدا عن كل «الوجبات الجاهزة» يحاول رسم السبل التي قد تمنح الإنسان شيئا من «الفرح الداخلي في عمق أعماق النفس».

لكن مثل هذه الحالة من «الفرح» لا يمكن أن تكون مستمرة باستمرار بحيث يمكن الحديث عن ذلك. فالسعادة التي يتم تصوّرها كحالة مستدامة لا تشوبها أية شائبة هي بالأحرى «هدف مثالي لا يمكن بلوغه».

والمهم هو أن يتوصّل الإنسان إلى «تلطيف» أحكام «القاضي» الموجود بداخله. ويفضّل المؤلف استخدام صفة «المرشد» وليس القاضي الذي يصدر أحكام محاسبة الذات.

بالمقابل يؤكد المؤلف ـ الفيلسوف أنه لا ينبغي القبول ب«التساهل» مع الذات. ويقول ان تجربته الطويلة والعميقة في الإحساس بالألم «أكثر من الآخرين» جعلته يدرك أن «الألم» يمكن أن يكون بمثابة «فخّ». هذا خاصة أنه يمكن الزعم ب«احتكاره» دون عناء. وهنا يرتسم مباشرة احتمال السقوط في براثن حالة من «الجشع» التي لا يمكن أبدا التخلّص منها.

يتم التأكيد في هذا السياق أن المجتمعات المعاصرة ذات الطابع الاستهلاكي المفرط تساهم إلى حد كبير في دفع البشر للإحساس ب«الإحباط».

ذلك أن «الفرح» أصبح مرفقا في الذهنية الاجتماعية السائدة ب«العيش الرغيد». ومثل هذا الاختزال «المريب» يدفع آليا الكثير من أبناء المجتمعات المعنية إلى الهامش، إلى «التوش»، كما يكتب المؤلف. ثم يؤكد أنه يمكن للفرح أن «يتعايش» مع الآلام التي تسببها أحداث الحياة العارضة.

لكن لا يمكن للفرح أن يتولّد من «القمع» الذي يفرضه المجتمع. ويشير الكسندر جوليان أن «نجاحه» في الخروج من حالة الألم التي كانت تحاصره سبب له الكثير من «الفرح» ومن «المسؤولية» أيضا. هذا خاصة أنه أراد دائما أن يبرهن على قدرة الإنسان المعاق على أن يكون هناك «وزن» لما يقوله.

وفي إطار حديث «الفيلسوف بلا قناع» يكشف المؤلف عن ذلك الكمّ الكبير من الحسد والغيرة اللذين كان يعاني منهما عندما يقابل في الطريق شابا «مثله» سليما معافى «وهو المعاق».

وهو يصنّف مثل هذا الشعور في خانة «الأهواء» التي تعيق مسيرة الحياة والتي ينبغي النضال ضدها. إنه لا يتردد في التأكيد أن إحساسه بمثل ذلك الحسد والغيرة تضاءل كثيرا. ولا يتردد في الاعتراف أن الفضل بذلك يعود إلى حد كبير لزوجته ولتلك النظرة البريئة لطفليه التي لا ترى فيه سوى «الأب».

ويرى المؤلف أن الحب في الحياة اليومية يمثّل عملية تعلّم لقبول الآخر كما هو. وعدم ترك سلطان العادة والأحكام المسبقة تدمّر الذات. ونظر الإنسان إلى زوجته كل يوم وكأنه يراها للمرّة الأولى دون الحنين إلى الماضي أو ترك المستقبل يكبّله.

ويؤكد المؤلف أن الأّحكام الاجتماعية تتجه خاصة نحو المظاهر. هكذا مثلا ورغم نجاحه الكبير على صعيد «مبيعات» مؤلفاته في المكتبات ولدى قرائه الكثيرين، فإنه يواجه باستمرار «استهزاء» الآخرين به عندما يركب في المترو أو الحافلة في مدينة لوزان السويسرية، حيث يسكن، أو عندما يصطحب طفلته إلى المدرسة مثل أي أب آخر.

لكنه يجهد بالمقابل كي يعلّم أبناءه كيف يعيش الفرح كل يوم وأن يعيشه هو أيضا. ثم إن الإنسان «خبير» في تخريب «جمال» اللحظة. «إن البشر يخرّبون حياتهم بأيديهم في أغلب الأحيان»، يقول مؤلف هذا الكتاب.

إن المؤلف يستخدم تعبير «النوبات المشبوبة» للتعبير عن أشكال غيرته وغضبه وحقده السابقة، مشيرا إلى أنه استعار هذا التعبير من كاتب سويسري اسمه «جورج هالداس» كان قد اعتبر أن «العواطف المشبوبة» هي مرض.

إن المؤلف ـ الفيلسوف الذي يعاني من إعاقة جسدية كبيرة يقوم بتقديم نفسه إلى قرائه «دون قناع»، «عاريا»، إنه يقول ما لم يكن يتجرأ على قوله سابقا. وهذه «قفزة في الفراغ»، كما يقول.

الكتاب: الفيلسوف بلا قناع

تأليف: الكسندر جوليان

الناشر: سويل باريس 2010

الصفحات: 198 صفحة

القطع: المتوسط

Le philosophe nu

Alexandre Julien

Seuil ? Paris- 2010

198p.