يعتمد المؤلف، أبو يعرب المرزوقي في أبحاث كتابه على «التشخيص النظري والعملي»، والذي صاغ مكوناته أربعة مفكرين كبار، تطرقوا في مؤلفاتهم الفكرية والفلسفية إلى مسألة الحيوية الحضارية العربية الإسلامية، على ضوء ما تقدمه فلسفة التاريخ وفلسفة الدين الإسلاميتان فقد اختار الغزالي وابن رشد ممثلين للعلاج النظري «الساعي إلى تجاوز الأزمة في الحلين الكلامي والفلسفي المستتبعين للحلين الفقهي والصوفي».
ويبرر الباحث بالمقابل اختياره لابن تيمية وابن خلدون باعتبارهما يمثلان العلاج في الاتجاه المواجه «والساعي إلى تجاوز الأزمة في الحلين الفقهي والصوفي المستتبعين للحلين الكلامي والفلسفي».
ويطرح المرزوقي في مقدمة كتابه التي يتبعها ببابين اثنين وخاتمة، خلاصة لبحثه تقتضي الانكباب على فهم «النتائج الخطيرة لما آل إليه موقف الأمة الحضاري»، بعد أن بات موقفها مقتصرا على تلقي ردات الفعل، الناتجة عن المؤثرات الخارجية.
وينتقد في هذا المجال تفاقم الموقف الانفعالي والتبعية الناتجة عنه في المستويين الفكري والمؤسسي لأوضاع ثقافتنا الحالية، المترددة بين المحاكاة الفردية للمؤثرات الأجنبية والتكرار المسرحي لها.
هذان المرضان برأيه خلقيان وجوديان، حالا دون تقدم الأمة ودون ملامستها للتجريب الحي، بوصفه مختبرا قادرا على الخلق والتجديد. والخروج من الأزمة يتطلب، برأي المرزوقي، موقفا شجاعا مماثلا للموقف الذي تبناه الفلاسفة الأربعة.
وهذا يحتم التعمق في تحليلاتهم، والأخذ بافتراضاتهم الفكرية والفلسفية من اجل استعادة روح المبادرة التاريخية «بوصفها الشرط الذي لا بد منه في كل تجديد وإبداع» وأولى الخطوات الواجب اتخاذها تقضي أولا بالاعتراف «أن كل تطور جدي في فكرنا وفعلنا (وفي مؤسساتهما كذلك)باستثناء لحظة التأسيس القصيرة جدا، قد تتميز تميزا شبه مطلق بموقف انفعالي أمام المؤثرات الخارجية». ونادرا ما يجد المرء انجازات صاغتها مؤثرات ذاتية، وتحديدا إسلامية.
والعودة إلى استلهامات الفلاسفة الكبار الأربعة والانطلاق نحو ما أجادوا تشخيصه للأمراض المؤلمة «ذات الصلة المباشرة بمسألة فقدان الأخوة الإسلامية وانفراط عقد الأمة».
تشكل بداية جيدة للخروج من المحنة التي يتصلب عودها ويكاد العرب معها، وكأن لا سبيل لهم إلا المراوحة في التبعية والارتهان والتقليد الأعمى. وكذلك ضرورة معالجة الإعاقة الذاتية لثورة الإسلام النظرية والعملية بوصفها الأصل الحقيقي لضعف المسلمين الروحي والسياسي، تستدعي برأي الباحث، في المرحلة الأولى، تحديد العلل العميقة، التي حالت دون قيام إصلاح دائم، وصولا إلى إحياء الشروط الملائمة للثورة الإسلامية.
يلي ذلك تفعيل حيوية الإبداع الإسلامي ضمانا لخميرة الوحدة الإسلامية. وفي المرحلة الثانية تجدر المحاولة لتحديد معنى الثورة العربية الإسلامية، وفهم العوائق التي تحول دون تزخيم معناها، أملا في الوصول إلى وحدة الأمة الروحية والخلقية، الشرط الأساسي لوحدتها الثقافية والسياسية.
وتتوزع هذه المسلمات على البابين اللذين يشكلان محور البحث. وفي الباب الأول مسألتان يتناول فيهما «العلاقة بين الموروث الثقافي والتقدم الاجتماعي تصوريا وتاريخيا».
وفي الباب الثاني يتناول «التكوينية التاريخية لفساد العلاقة بين الموروث الثقافي والتقدم الاجتماعي». وتشغله أيضا مسألتان، تدور الأولى حول تعطيل الإسلام من حيث هو إصلاح مستمر في مجالي النظر والعمل. وفي الثانية ينطلق من سؤال جوهري: «كيف يعود الإسلام إصلاحا مستمرا في مجالي النظر والعمل؟».
وفي خاتمة بحثه، يرى المرزوقي أن المسلمين حتى الآن يرفضون تحديد وضعيتهم الخلقية والسياسية، لذلك ستظل علاقتهم بالحاضر الغربي وبالماضي الإسلامي علاقة مرضية، إلى أن يتمكنوا من استيعاب التجارب الإنسانية بشكل يسمح لهم بالانطلاق في إعادة هيكلة وجودهم المتردي.
وفي الشأن المتعلق بمفهومي الاجتهاد والجهاد على ضوء الخاصيات الأساسية، التي دعا إليها القرآن، فان الباحث يعيد الجمود الحاصل بشأنهما إلى عجز العرب عن التحرر من الموقف الانفعالي، ومن التعالي على ردات الفعل واستبدالهما بالموقف الفعلي. و«أن موقف رد الفعل عند النخب السياسية ولد تصورا زائفا عن مبدأ التكيف مع الواقع».
لذلك يأتي تبني الحلول التي أفرزتها الثقافات الأخرى بديلا من الخلق الحقيقي الذي ينادي به الإسلام، وهو الطرح السائد على فكرنا ومؤسساتنا حتى الآن. ويأخذ المرزوقي على الفقهاء محاولتهم الجادة ليكونوا ساسة، من غير أن تتولد لديهم دراية بالقضايا الخلقية والمعرفية.
ويعول الباحث على الأهمية التي يكتسبها الإصلاح المذهبي بوصفه علم أصول الدين، الهادف إلى تمجيد حرية الإنسان وإطلاقها طلبا للحقيقة والجمال، على أن يقترن ذلك بإجراءات إصلاحية تطال النظم التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على السواء.
الكتاب: أزمة الحضارة العربية المترددة
تأليف: أبويعرب المرزوقي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ومركز الجزيرة للدراسات 2009
الصفحات: 72 صفحة
القطع: المتوسط
منغانا الحاج
